في 17 يونيو 2026، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم أنهت حربًا استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، بدأت بضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير طالت حتى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي على السطح، يبدو المشهد كنصر أمريكي-إسرائيلي ساحق: اغتيال قائد النظام، تدمير منشآت نووية، وإجبار طهران على طاولة التفاوض. لكن ثمة معيار بسيط وكاشف يكشف زيف هذه القراءة السطحية، وهو المعيار الذي حدد تاريخيًا هوية المهزوم في الحروب الكبرى: من يدفع لمن؟
معيار الدفع: من يكشف هوية المهزوم الحقيقي؟
ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى دفعت تعويضات ضخمة بموجب معاهدة فرساي، إقرارًا رسميًا بمسؤوليتها عن الحرب. هذا النمط - الخاسر يدفع للمنتصر - هو المعيار الكلاسيكي لتحديد من خسر فعليًا، بصرف النظر عن الخطاب الإعلامي المصاحب. في اتفاق 2026، الصورة معكوسة جزئيًا: صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار سيُموَّل لصالح إيران، وليس العكس. صحيح أن هذا التمويل سيأتي من مستثمرين خاصين لا من الخزينة الأمريكية مباشرة، وبالتالي لا يرقى لتعويض حرب رسمي تدفعه واشنطن كمهزومة، لكنه أيضًا ليس عقابًا تفرضه على خصم مهزوم بالمعنى الذي عرفته فرساي. الأقرب لفهمه هو مقارنته بخطة مارشال، التي أعادت أمريكا عبرها إعمار ألمانيا الغربية واليابان بعد هزيمتهما - لكن بفارق جوهري: الدولتان استسلمتا فعليًا، في حين إيران لم تُجبر على الاستسلام، بل تفاوضت وفرضت بنودًا تخدم مصالحها، من بينها ربط مصير الاتفاق بساحة لبنان نفسها. بعبارة أخرى: أمريكا لم تخرج من هذه الحرب منتصرة بالمعنى التقليدي الذي يفرض شروط استسلام كاملة، بل توسطت لتمويل إعادة إعمار خصمها الذي حاربته للتو - وهذا مؤشر حياد استراتيجي غير معتاد يكشف أن الحرب انتهت بتفاوض ندّي لا بحسم عسكري حاسم.
وإذا كانت إيران لم تُهزم على مستوى التفاوض، فإن السؤال التالي الطبيعي هو: هل أُضعفت على الأقل بنيويًا، عبر اغتيال قياداتها وضرب برنامجها النووي؟ هنا تحديدًا يكمن سوء فهم شائع في الخطاب الغربي.
لماذا لا يتفتت النظام الإيراني باغتيال قادته؟
الخطاب الإعلامي الغربي روّج لاغتيال خامنئي كضربة قاضية للنظام. لكن هذه القراءة تخلط بين نوعين مختلفين جوهريًا من الأنظمة: الأنظمة الشخصانية التي ترتبط شرعيتها بفرد الحاكم، كنظام صدام حسين الذي انهار بانهيار شخص الحاكم لأن الشرعية كانت شخصية محضة؛ والأنظمة المؤسسية-الأيديولوجية التي تتجاوز شرعيتها الأفراد لترتكز على بنية عقائدية وبيروقراطية راسخة، كنظام ولاية الفقيه في إيران. حين اغتيل خامنئي، انتقلت “الفكرة” - شرعية المرشد - فورًا إلى نجله مجتبى، دون أن تهتز أركان النظام.
المنطق نفسه ينطبق على البرنامج النووي. خلافًا لبرامج اعتمدت على عدد محدود من الكوادر النخبوية، يرتكز البرنامج الإيراني على بنية مؤسسية راسخة: جامعات عريقة كطهران وشريف للتقنية تخرّج فيزيائيين نوويين بأعداد لا يُستهان بها سنويًا، وبيروقراطية ممتدة (منظمة الطاقة الذرية، الحرس الثوري) لا تعتمد على فرد بعينه. اغتيال علماء بمفردهم لا يُنهي برنامجًا تحوّل، بعد أربعة عقود، إلى معرفة مؤسسية موزعة عبر أجيال متعاقبة. وهذا الاستمرار المؤسسي نفسه لا يقتصر أثره على التقنية والقيادة، بل يمتد - وهنا أخطر تبعات الحرب على المدى البعيد - إلى البنية الجيلية والاجتماعية للنظام ذاته.
الجيل الجديد: كيف تستثمر إيران الحرب في إعادة إنتاج شرعيتها
الجيل الإيراني الذي لم يعش ثورة 1979 ولا الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) كان الأكثر انفصالًا عن الخطاب الثوري الرسمي، كما تجلّى بوضوح في احتجاجات “مهسا أميني” 2022-2023. لكن حربًا مباشرة مع أمريكا وإسرائيل، تضمنت اغتيال المرشد الأعلى نفسه، تمنح النظام بالضبط ما تحتاجه أي بنية أيديولوجية لتجديد شرعيتها: عدوًا خارجيًا ملموسًا، ومظلومية مباشرة معاشة لا متوارثة من كتب التاريخ. هذا ما فعلته الحرب مع العراق لجيل الثمانينيات، وهو ما تكرره هذه الحرب اليوم لجيل جديد - أداة تعبئة سياسية وأيديولوجية لم تكن متاحة للنظام بهذا الوضوح قبل اندلاعها.
هكذا تتضح الصورة: نظام يحافظ على شرعيته المؤسسية، ويكتسب أداة تجديد جيلي إضافية بفعل الحرب ذاتها. لكن البقاء المؤسسي وحده لا يفسر طموح إيران الإقليمي الأوسع - وهنا يصبح الانتقال إلى البعد الجغرافي-الاستراتيجي ضروريًا لفهم ما تبنيه طهران فعليًا حول إسرائيل.
خاتمة: حرب بلا حسم، وزمن يعمل لصالح طهران
تتقاطع هذه الخيوط الأربعة - معيار الدفع، صمود البنية المؤسسية، تجديد الشرعية الجيلية، وتآكل الضمانة الأمريكية لإسرائيل - لتنتج خلاصة واحدة: هذه الحرب لم تُحقق حسمًا استراتيجيًا حقيقيًا لأي طرف. أمريكا لم تخرج منتصرة بالمعنى الذي يفرض شروط استسلام، بل توسطت لتمويل إعمار خصمها.
إيران لم تخرج مهزومة مؤسسيًا، بل أثبتت قدرة على التجدد الذاتي تتجاوز اغتيال الأفراد، وتكتسب في الوقت نفسه جيلًا جديدًا أكثر التحامًا بخطابها الأيديولوجي. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الظاهر، خرجت بخسارة أعمق من أي خسارة ميدانية: تصدّع في الضمانة الوجودية التي بُني عليها مشروعها منذ تأسيسه.
والسؤال الذي يفرض نفسه على المرحلة المقبلة: ماذا لو استثمرت إيران الستين يومًا القادمة، إلى جانب التمويل الجديد المتدفق إليها، لإعادة بناء قدرتها الردعية بوتيرة أسرع مما تتوقعه واشنطن وتل أبيب؟ في هذه الحالة، قد يُنظر إلى اتفاق يونيو 2026 لاحقًا، لا كنهاية لحرب، بل كنقطة التحول التي بدأت عندها إيران تحويل صمودها التكتيكي إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد.