تحت سقف متهاوٍ في غزة، ترعى رنا مصلح سبعة أطفال بينهم ثلاثة توائم، في حين تستقبل فصل الصيف الذي يثقل كاهلها للسنة الثالثة تواليا في محطات النزوح والتشريد القسري، دون أفقٍ لتوفير مأوى مناسب لها أو لعودتها إلى منطقة سكنها في بلدة بيت حانون التي يسيطر عليها الاحتلال بالقوة العسكرية.
يتشبث الأطفال التوائم بها في ذلك المكان الذي يكبرون فيه وسط مخاطر محدقة بحياتهم. "قبل أيام سقط حجر كبير بجانبهم. الله لطف بهم"، تقول رنا لصحيفة "فلسطين" بنبرة تغلبها قلة الحيلة والخوف من تكرار انهيار ما تبقى من السقف.
تجسد معاناة رنا حال مئات الآلاف من النازحين في غزة، الذين شردتهم قوات الاحتلال قسرًا من منازلهم ودمرت معظمها. وعلى الرغم من سريان اتفاق لوقف الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن الاحتلال لا يزال يمنع إدخال مواد الإيواء والإعمار ويسيطر على ما يزيد عن 60% من قطاع غزة الذي تقدر مساحته الكلية بـ365 كم².
في جزء من مبنى حكومي شبه مدمر بمدينة غزة، تتخذ رنا مأوى لها لكنه لا يصلح للحياة الآدمية. بعد أن سقطت عليها قطرة ماء من السقف، تقول: أعيش هنا مرغمة مع صغاري رغم المخاطر، ولا أستطيع حتى توفير خيمة تؤويهم.
يبلغ أكبر أطفال رنا ثمانية أعوام، وأصغرهم عامين، عاش معظمهم معها مأساة التشريد القسري التي تتواصل فصولها، وكبروا مبكرًا على معاناة لا يطيقونها، وهم ينزحون من بيت حانون إلى مخيم جباليا ومدينة غزة وجنوب القطاع مثقلين بهمومهم وانعدام مقومات الإيواء والمعيشة.
ويمثل توفير المأوى التحدي الأصعب لرنا وأسرتها. تقول: لجأنا إلى أقمشة مهترئة وشوادر ممزقة لنستر أنفسنا، ولا نزال نواجه المأساة ذاتها، لكنها لا تقتصر على هذا الحد بل ترافقها الحشرات والقوارض.
تغزو القوارض غزة ولا سيما الأماكن المدمرة وتؤرق النازحين الذين لا يملكون حيلة لمواجهتها. وليلا، ظنت رنا أن أحد أطفالها هو من وضع رأسه على كتفها، لكنها صدمت بأنه جرذ، ما أجبرها على تغطية نفسها ببطانية على الرغم من ارتفاع درجات الحرارة.
ظروفنا صفر...
على أحد أرصفة مدينة غزة، وفي ما تشبه غرفة حديدية معوّجة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار، يعيش عيد النحال (44 عاما) مع أسرته المكونة من ثمانية أشخاص تفاصيل حياة يومية لا تشبه الحياة.
نزح النحال مع أسرته قسرًا من منزله في بلدة بيت لاهيا بالسنة الأولى من الحرب تحت النار. واليوم لا يبعد منزله شبه المدمر عما يسمى الخط الأصفر (مناطق سيطرة الاحتلال عسكريا) سوى 100 متر.
تحت وطأة ظروف حياتية قاسية، يقول النحال لصحيفة "فلسطين" إنه يتمنى العودة إلى ما تبقى من منزله، لكن المخاطر محدقة بمنطقة سكنه، مع استمرار الاحتلال في إطلاق النار ومخاوف الأهالي من التوجه إلى هناك، مع ما يرافق ذلك من انعدام لمقومات العيش.
في تلك الغرفة، يفتقر النحال إلى الفراش المناسب ويعاني من الحر مع تكدس عدد كبير من الأشخاص فيها. يصف واقعه بالقول: "ظروف الإيواء صفر. مفش حاجة حلوة".
وتسبب تكرار النزوح في استنزاف طاقة النحال الذي لم يعد يقوى على مواجهة استمرار التشريد. وعلى مدار الحرب، نزح الرجل إلى رفح وخانيونس وغيرها من مناطق القطاع وأخيرا إلى مدينة غزة.
ومن خيمة إلى خيمة، يتواصل مسلسل لا متناهٍ من المعاناة، لكن النحال يقول إنه لم يحصل على تلك الخيام بسهولة بل بالكاد، واليوم بات عاجزا عن توفيرها مع تراجع مصدر دخله، مؤكدا أن أيا من المؤسسات الدولية لم تتواصل معه أو توفر له المساعدة.
وفي جنوب القطاع، استشهدت الابنة الكبرى للنحال مع زوجها وأبنائها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2024، عندما قصف الاحتلال منزلا مكونا من ستة طوابق كانوا يتواجدون فيه، ليفتح ذلك جرحا لا يندمل في نفسه.
عن طول مدة النزوح، يوضح أنه مثقل بالتفكير بموعد رجوعه إلى بيت لاهيا. "أريد العودة إلى هناك، وأن يحيط بي الأهالي الذين كانوا يعيشون معي، يكفيني ذلك".
وكحال نازحي غزة، فإنه يئن تحت وطأة سيل من الأزمات اليومية من ملاحقة مياه الشرب والغسل، إلى تدبير لقمة العيش، ومواجهة القوارض والحشرات.
يعيش جميع أهالي غزة تقريبا البالغ عددهم أكثر من مليوني مواطن في شريط ضيق من أراضي القطاع على طول الساحل، بشكل رئيسي في خيام ومبان متضررة.
ودمر العدوان الإسرائيلي على مدى عامين أجزاء واسعة من غزة وألحق أضرارا جسيمة ببنيتها التحتية. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر تشرين الأول 2025، تواصل قوات الاحتلال خروقاتها عبر شن هجمات على غزة وتوسيع مناطق سيطرتها.
كما تقيّد سلطات الاحتلال إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة. ووفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في 15 من الشهر الجاري، دخل إلى قطاع غزة 52,740 شاحنة فقط من أصل 147,000 شاحنة كان يفترض دخولها حتى تاريخ صدور البيان.
وبين دمار واسع وغياب حلول جذرية، يبقى الأفق الإنساني مفتوحًا على مزيد من المعاناة دون انفراج قريب.