لم يكن علاء خماش (43 عامًا)، من سكان المحافظة الوسطى وأبًا يعيل أسرته، يتوقع أن دقائق معدودة في أحد أيام شهر رمضان ستقلب حياته رأسًا على عقب. فبينما كان يدرك أن الحرب الإسرائيلية لا تستثني أحدًا في قطاع غزة، وأن الصواريخ والقذائف تطال البشر والحجر على حد سواء، فإن ما حدث معه في الثالث والعشرين من رمضان عام 2024 ترك أثرًا عميقًا ما زال يرافقه حتى اليوم.
خرج علاء في ذلك اليوم كعادته، يسير في أحد شوارع المنطقة، وتوقف للحظات أمام منزل أحد أصدقائه، غير مدرك أن تلك اللحظات ستكون فاصلة في مسار حياته. يقول لصحيفة "فلسطين": "كنت أمشي في الشارع ووقفت أمام بيت صديق لي، وفجأة سقطت قذيفة من دبابة إسرائيلية على المنزل، وأصبت إصابة مباشرة".
وبالرغم من شدة الإصابة، بقي علاء واعيًا لما حوله، مسترجعًا لحظة إدراكه خطورة ما جرى، ويضيف: "كنت أدرك أن الإصابة في رجلي خطيرة جدًا، وعرفت منذ اللحظة الأولى تقريبًا أنها ستؤدي إلى بترها". وقد نُقل إلى المستشفى وسط ظروف صحية بالغة الصعوبة، إذ أكد الأطباء لاحقًا مخاوفه، قائلاً: "بعد الفحص أخبرني الطبيب أن القدم اليمنى تعرضت لإصابة خطيرة ولا يمكن إنقاذها، وأن البتر أصبح ضرورة".
وبالرغم من قسوة الخبر، لم تكن الصدمة هي الشعور الغالب لديه، إذ يوضح: "لم أصدم كثيرًا، فقد أصبحت هذه المشاهد جزءًا من واقع الحرب، وكنت أتوقع أي شيء". لكن رحلة الألم لم تتوقف عند غرفة العمليات.
فبعد أسبوع واحد من إجراء عملية البتر، وخلال تغيير الضمادات، يروي علاء واحدة من أقسى لحظاته: "بدأوا بإجراء الغيار دون بنج، وشعرت وكأن تيارًا كهربائيًا يضرب رأسي بالكامل، كان الألم لا يُحتمل". وبعد معاناة شديدة، لجأ الأطباء إلى إجراء عمليات تنظيف الجرح تحت التخدير الكامل لتخفيف آلامه.
أمضى علاء خمسين يومًا داخل المستشفى بين العمليات والعلاج والمتابعة الطبية، قبل أن يحصل على تحويلة علاجية إلى الخارج. إلا أن رحلة العلاج تحولت إلى معركة جديدة مع الإجراءات والانتظار الطويل، يقول بحسرة: "حصلت على تحويلة علاجية، ثم جددتها مرة ثانية، وانتهت مع بداية عام 2026، واضطررت لتجديدها مرة أخرى، وفي كل مرة أواجه معاناة طويلة بين الإجراءات والمراجعات الطبية".
ويتساءل بمرارة: "هل يُعقل أن أُصاب في الشهر السادس من الحرب، وأظل أنتظر السفر للعلاج عامين ونصف؟ الانتظار في حالتي ليس أمرًا عاديًا، بل معاناة يومية".
وتزداد معاناة علاء مع تدهور وضعه الصحي، إذ يعاني قبل الحرب من ضمور في الأعصاب والعضلات في قدمه اليسرى، ومع فقدانه قدمه اليمنى أصبح الاعتماد على العكازين جزءًا ثابتًا من حياته اليومية. ويقول: "اليوم لا أستطيع الاستغناء عن العكازين إطلاقًا، فأنا أعتمد عليهما في كل خطوة".
ولم تتوقف آثار الإصابة عند الجانب الجسدي، بل امتدت إلى حالته النفسية والاجتماعية، إذ يوضح أن الأصوات المرتفعة باتت تثير توتره، وأن عصبيته ازدادت بشكل ملحوظ منذ الإصابة، مضيفًا: "حياتي تغيرت بالكامل، لم أعد الشخص الذي كنت عليه؛ كنت أخرج لقضاء احتياجات البيت والتسوق لأبنائي، أما اليوم فأبنائي وزوجتي هم من يساعدونني ويحملون عني أعباء الحياة".
وفي ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية في قطاع غزة، يجد علاء نفسه أمام تحديات مركبة تجمع بين الألم الجسدي والضغط النفسي وصعوبة تأمين احتياجات أسرته.
ورغم مرور أكثر من عامين على إصابته، لا يزال علاء خماش ينتظر فرصة السفر واستكمال علاجه، متمسكًا بالأمل في أن تنتهي رحلة الانتظار الطويلة، وأن يستعيد جزءًا من حياته التي فقدها تحت أزيز الحرب وقذائفها.