حمَّل المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، الرائد محمود بصل، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن عدم تمكن الفرق الميدانية من انتشال رفات آلاف الشهداء من أسفل ركام المنازل المدمرة.
وأكد بصل لصحيفة "فلسطين"، أن تدمير الاحتلال المعدات والآليات الثقيلة إبّان حرب الإبادة التي اندلعت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يُقوِّض جهود الفرق الميدانية الرامية إلى تنفيذ مهامها الإنسانية.
وفي خضمّ حربه الدموية، استهدف جيش الاحتلال فرق ومقدرات جهاز الدفاع المدني، وحال دون تمكينه من تلبية نداءات الضحايا، في حين لم يسمح بمرور عدد كافٍ من الآليات والمعدات بعد اتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريانه يوم 10 أكتوبر 2025، وفق بصل.
وكان لدى جهاز الدفاع، كما أفاد بصل، 75 مركبة وآلية يستخدمها في تلبية نداءات الاستغاثة، ولم يبقَ منها سوى 10 فقط بفعل التدمير المتعمد، لافتًا إلى أن البروتوكول الإنساني ضمن اتفاق وقف إطلاق النار يكفل إدخال المركبات والآليات اللازمة لانتشال رفات الشهداء.
146 شهيدا من طواقم جهاز الدفاع المدني
واستشهد بنيران الاحتلال 146 من كوادر جهاز الدفاع المدني منذ اندلاع الحرب. ووفق معطيات رسمية، قتل جيش الاحتلال خلال حربه 73 ألف مواطن، فيما أصاب أكثر من 170 ألفًا آخرين.
وأوضح أن الاحتلال اتبع سياسة ممنهجة في استهداف المباني المدنية فوق رؤوس سكانها، واستمر فيها حتى بعد وقف إطلاق النار، إذ لم يتوقف القصف والقتل، في حين خلَّفت الحرب آلاف الشهداء تحت ركام المنازل.
وبيَّن المتحدث باسم الدفاع المدني، أن العدد الأكبر من رفات الشهداء موجود في مدينة غزة ومحافظة شمال القطاع.
وواصل بصل حديثه: "8500 شهيد على الأقل ما يزالون تحت ركام المنازل المدمرة، في حين أن الجهود المبذولة من جهاز الدفاع المدني والجهات التي تتعاون معه محدودة جدًا، بسبب فقدان المعدات والآليات الثقيلة إثر تعرضها لاستهداف وتدمير متعمد".
وفي أحيان كثيرة، لجأ الاحتلال إلى تهديد سائقي الآليات الثقيلة والجرافات التي تملكها شركات خاصة، بالقتل والتدمير في حال العمل مع الدفاع المدني.
إزالة الركام
وبالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، نفذ الجهاز مشروعًا بعد وقف إطلاق النار، مدته 400 ساعة فقط، لإزالة ركام منازل تعرضت لقصف شديد، وانتشال رفات الشهداء من تحتها بعد الحصول على موافقة من الاحتلال.
ونبَّه إلى أن الدفاع المدني ينتظر الموافقة لتنفيذ مشروع آخر مدته 800 ساعة عمل بالتنسيق مع الصليب الأحمر، لانتشال رفات الشهداء في حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة.
وحذّر بصل من أن انتشال رفات الشهداء بهذه الطريقة سيستغرق سنوات طويلة لإكمال المهمة.
وتطرق إلى مشكلة كبيرة لا تواجه الفرق الميدانية فحسب، بل تترك أيضًا تداعيات إنسانية على ذوي الضحايا، إذ إن عددًا كبيرًا من رفات الشهداء بقيت أسفل منازل مدمرة تقع حاليًا خلف ما يُسمى "الخط الأصفر"، الذي يبتلع قرابة 70 بالمئة من مساحة القطاع الساحلي البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
ويفرض جيش الاحتلال سيطرته بقوة النيران خلف "الخط الأصفر"، ويشيد فيه مواقع عسكرية مدججة بأسلحة آلية، ويتمركز في محيطها عدد كبير من الدبابات والآليات الحربية.
وتابع المتحدث باسم الدفاع المدني: "هذه المناطق يصعب وصولنا إليها، ولم يكتفِ جيش الاحتلال بتدمير المنازل فيها، بل لجأ إلى تجريفها وإزالة الكتل الخرسانية، ما يعني أن مناطق كاملة تغيّرت معالمها".
واستدرك: "البحث عن رفات الشهداء هناك مهمة في غاية الصعوبة، وحتى لو حصلنا على موافقة إسرائيلية، فإن عملنا في تلك المناطق يشبه البحث عن إبرة في كومة قش".
ونبَّه إلى أن فرق الدفاع المدني استطاعت انتشال قرابة 600 رفات لشهداء الحرب، لكن لم يستطع أحد تحديد هويات غالبيتهم، بسبب عدم توفر أجهزة مخصصة لفحص الحمض النووي (DNA).
وأكد أن عدم سماح الاحتلال بإدخال الأجهزة اللازمة لذلك يُعمّق أزمة التعرف على هويات الضحايا، ويسبب مأساة حقيقية للعائلات.
كما لفت إلى أن عائلات فقدت أبناءً لها تحت ركام المنازل تلجأ إلى عمال يستخدمون أدوات بدائية لانتشال رفات الشهداء، مؤكدًا أن هذه المهمة لن تكتمل إلا باستخدام معدات ثقيلة لإزالة الكتل الإسمنتية المتكدسة فوق بعضها.
وحذّر من أن هذه الطريقة البدائية تشكل خطرًا داهمًا على العمال، نظرًا لإمكانية انهيار أجزاء من الخرسانة في أي لحظة.
وختم بصل حديثه، قائلًا: "نحن بحاجة إلى معدات ثقيلة ووقود وزيوت مخصصة للمركبات، وقطع غيار أيضًا، حتى نتمكن من بدء مهمتنا الإنسانية بالشكل المناسب".

