في إحدى غرف مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، يرقد الصياد يوسف فايز النجار بلا حراك، جسده المثقل بالجراح لا يقوى على الاستدارة أو تغيير وضعيته، ويده عاجزة عن الحركة، في حين تتوزع آثار الإصابة بين صدره وظهره وكتفه.
منذ أربعين يوماً لم يغادر سرير المرض، متنقلاً بين قسم العناية المكثفة وغرف العمليات وقسم الجراحة، في رحلة علاج شاقة لا تبدو نهايتها قريبة.
على السرير ذاته، يقضي يوسف أيامه ولياليه، يراقب السقف لساعات طويلة، فيما يتولى والده مرافقته ورعايته، الألم حاضر في تفاصيل يومه، والعمليات الجراحية تكاد تكون حدثاً يومياً، في حين تتآكل الأيام ببطء في انتظار فرصة علاج قد تعيد إليه القدرة على الحركة والحياة.
قبل أربعين يوماً فقط، كان يوسف في عرض بحر خان يونس يحاول كسب رزقه من مهنة الصيد، لم يكن يمتلك سوى قارب مجداف صغير يبحر به قريبا من الشاطئ بحثاً عن لقمة العيش.
خرج في ذلك اليوم كما اعتاد، مدفوعاً بحاجته لإعالة أسرته الصغيرة، لكنه عاد مصاباً بجراح بالغة بعدما أصابته قذيفة أطلقتها قطعة بحرية إسرائيلية.
يقول والده، الذي لم يفارق سريره منذ إصابته: "يوسف كان متزوجاً حديثاً، وزوجته حامل في شهرها التاسع، نزل البحر حتى يوفر عشرين أو ثلاثين شيكلاً ليعيل أسرته ويستقبل طفله القادم، لم يكن يبحث إلا عن لقمة العيش".
ويضيف بصوت أنهكه التعب لصحيفة "فلسطين": "من أربعين يوماً ونحن بين العمليات، كل يوم تقريباً يأخذونه إلى غرفة العمليات لتنظيف الجروح وعلاج الالتهابات وتسكين الألم، لكن المشكلة الأساسية في العظام ما زالت قائمة".
أدت الإصابة إلى تهشم أجزاء من عظام الكتف والصدر والظهر، إضافة إلى كسور وإصابات معقدة في منطقة لوح الكتف والأضلاع، يقول والده ويؤكد أن الأطباء يبذلون ما يستطيعون ضمن الإمكانات المتاحة، إلا أن العلاج التخصصي الذي يحتاجه ابنه غير متوفر محلياً.
وبينما تتواصل الجهود الطبية للحفاظ على استقرار حالته، يعيش يوسف انتظاراً آخر لا يقل قسوة عن الألم الجسدي، فزوجته على وشك الولادة، وطفله الأول قد يرى النور في أي لحظة، بينما يرقد الأب عاجزاً عن الوقوف إلى جانب أسرته أو حتى احتضان مولوده الجديد.
يجلس والده إلى جواره كل يوم، يراقب الأجهزة الطبية ويتابع تفاصيل العلاج، لكنه يشعر بالعجز أمام ما يمر به ابنه، يقول: "لا نملك سوى الدعاء، كل يوم أراه في المكان نفسه، لا يستطيع الحركة، ويتحمل ألماً كبيراً، ننتظر أن تتوفر له فرصة علاج خارج القطاع، لعلها تمنحه أملاً جديداً".
أربعون يوماً مرت منذ إصابة يوسف، لكن الزمن داخل غرفة المستشفى يبدو أطول بكثير، وبين مواعيد العمليات وآلام الجروح وترقب ولادة طفله الأول، يواصل الصياد الشاب معركته الصامتة، آملاً أن يأتي يوم يغادر فيه سرير المستشفى عائداً إلى البحر الذي كان يوماً مصدر رزقه، لا سبباً لمعاناته.