10 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان تاريخًا مفصليًا في حياة أستاذ العلوم السياسية أمين دبور. في لحظة، انهالت الصواريخ على منزله، وعلى مسيرة حياته الأكاديمية، أصيب مع كل أفراد عائلته وتشردوا قسرًا بفعل حرب إبادةٍ رأى أنها ستستمر طويلاً، لكنه شهد أشهرها الأولى فقط.
"اختار العلوم السياسية والدراسات الفلسطينية انطلاقًا من إيمانه العميق بعدالة القضية الفلسطينية وأهمية نشر الوعي بها بين الأجيال"، بهذه الكلمات يستهل نجله عبد الرحمن دبور، حديثه عن سيرة حياة رجلٍ حاضر رغم الغياب، والذي كان قد عمل محاضرًا في مجال اختصاصه، واهتم بقضايا بلاده.
كان دبور يرى أن هذا الاختصاص يمنحه فرصة لفهم أبعاد القضية السياسية والتاريخية والفكرية، ويساعده على نقل هذا الفهم إلى طلابه ومجتمعه. وقد واصل دراسته وتعمقه في هذا المجال عبر سنوات طويلة من البحث والقراءة والعمل الأكاديمي حتى أصبح من المتخصصين فيه.
أما التدريس في الجامعة الإسلامية -يضيف عبد الرحمن لصحيفة "فلسطين"- كان أكثر من مجرد وظيفة بالنسبة له؛ ويجسد رسالة وحياة كاملة كرّس لها جهده ووقته وعلمه، لصناعة الوعي وبناء الأجيال، وقد أمضى سنوات طويلة من عمره في خدمة الجامعة وطلابها بإخلاص ومحبة.
وعلى مدار عقود، لمع اسم دبور في مجال العلوم السياسية. ووفق موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، فإنه كتب على مدار حياته المهنية العديد من المقالات ونشر أعماله في مجلة "نُظم سياسية مقارنة" التابعة للجامعة الإسلامية، ومجلة "دراسات في التنمية الاقتصادية".
ويذكر الموقع أن دبور كان يُعلم في مجال الدراسات الفلسطينية، وغطى في مساقاته التاريخ السياسي لفلسطين تغطية شاملة، من عصور ما قبل الحداثة إلى العدوان الإسرائيلي على غزة (2008-2009). وقد شمل ذلك نكبة 1948، وجذور المقاومة الفلسطينية وفصائلها المتعددة، والانتفاضتين الأولى والثانية، واتفاق أوسلو، والنظامين السياسيين الفلسطيني والإسرائيلي.
اجتهاد وتفكير
ألقى شغف دبور بالعلوم السياسية بظلاله على علاقته بالطلبة. يقول نجله: كانت قائمة على الاحترام والتقدير والتوجيه، فكان قريبًا منهم ويحرص على مساعدتهم وتسهيل أمورهم الأكاديمية قدر الإمكان، كما كان يشجعهم على الاجتهاد والتفكير الحر وتحمل المسؤولية.
يتابع: تمنى أن يترك في طلابه حب العلم والبحث، والوعي بقضايا أمتهم ووطنهم، والالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية، وقد ترك أثرًا طيبًا في نفوس أعداد كبيرة من الطلبة الذين ظلوا يذكرونه بمحبة وتقدير.
وفي حياته المهنية والعلمية، كان دبور يدافع عن القيم الإسلامية والهوية الوطنية، ويولي اهتمامًا خاصًا بمكانة القدس والمسجد الأقصى، مؤمنًا بأهمية الحفاظ على هذه الثوابت وترسيخها في وعي المجتمع.
عن طبيعة العلاقة مع طلبته، يذكر موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أنه "كان محبوبًا، أحَبّه طلابه لشخصه وطرق تدريسه".
تغييرات جذرية
"أثرت الحرب على حياته اليومية كثيرًا، فقد تعرض منزله للقصف منذ الأيام الأولى للحرب، وتحديدًا في اليوم الرابع، مما أدى إلى تغييرات جذرية في حياته وحياة أسرته"، يتنهد عبد الرحمن، مستعيدًا ذكرى مؤلمة.
كان ذلك القصف المباغت سببًا في معاناة كبيرة ونزوح قسري متكرر، أجبر العائلة، وفق عبد الرحمن، على التأقلم مع ظروف صعبة فرضتها الحرب على جميع تفاصيل حياتهم.
عن مواجهة والده لظروف الحرب، يوضح أنه كان يتعامل معها بكل صبر وثبات وعزيمة. وعلى الرغم من قسوة النزوح والخوف المستمر من القصف، كان يحاول أن يمنح من حوله الطمأنينة والأمل، ويتعامل مع الأحداث بإيمان عميق وصبر كبير، مستعينًا بالله في مواجهة تلك الظروف الصعبة.
كان دبور يرى أن الحرب ستكون طويلة وأن آثارها لن تنتهي بسرعة، قائلاً لمن حوله، إن هذه الحرب بدأت بطريقة توحي بأنها ممتدة. ومع ذلك، كان مؤمنًا بأن مستقبل غزة سيكون أفضل، وأن مصيرها في النهاية هو التحرير والفرج القريب بإذن الله، وكان دائم الحديث عن الأمل وعدم الاستسلام رغم حجم المعاناة.
يتابع عبد الرحمن: استمر والدي في قراءة القرآن الكريم والكتب حتى خلال الحرب، وظلت القراءة جزءًا أساسيًا من حياته اليومية.
أب وقدوة
بنبرة يخنقها الحزن، يقول عبد الرحمن عن والده: "كان نعم الأب ونعم القدوة، محبًا للعلم والمعرفة، يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في قراءة الكتب وتدبر القرآن الكريم، فكان مثالًا للإنسان المثقف المؤمن. عُرف بحسن تنظيمه لوقته وحرصه على استثمار كل لحظة فيما ينفعه وينفع من حوله".
ويتعمق في حياته الشخصية، قائلاً: "كان سابقًا إلى فعل الخير، لا يتردد في مد يد العون للمحتاجين، ومقدامًا في كل ما يتعلق بخدمة دينه والدفاع عن قضاياه. كما كان قريبًا من جميع أفراد أسرته، يفهم شخصية كل واحد منهم ويعرف احتياجاته وهمومه".
يتابع: لم يمر يوم إلا ويجلس مع أبنائه ليسألهم عن يومهم في المدرسة أو الجامعة، يستمع إليهم باهتمام ويشاركهم أفراحهم وتحدياتهم. كان دائم الاطمئنان عليهم، ويبذل كل ما يملك من جهد ووقت ومال ليجعلهم سعداء ويوفر لهم حياة كريمة.
يوم الفاجعة
في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2023، وقعت الفاجعة. بينما كان يتوضأ ويتهيأ لأداء صلاة الفجر، استشهد أستاذ العلوم السياسية متأثرًا بإصابته في منطقة الصدر نتيجة قصف منزله.
كان آخر ما يميز لقاءاته وحديثه مع عائلته، حرصه الدائم على الاطمئنان عليهم، وتوصيته بالصبر والثبات والتمسك بالإيمان مهما اشتدت الظروف. "وقد بقيت كلماته ومواقفه حاضرة في ذاكرتنا لما حملته من محبة واهتمام وحرص على الجميع"، يقول عبد الرحمن.
كان خبر استشهاده صادمًا ومؤلمًا للأسرة والأقارب وكل من عرفه. ومثل رحيله خسارة كبيرة تركت حزنًا عميقًا في نفوسهم، غير أن أثره العلمي والإنساني ظل حاضرًا في كل من تعلم على يديه.



