استيقظ سكان الأحياء الشرقية لحي التفاح شرق مدينة غزة، أمس، على واقع ميداني جديد بعد ليلة وصفت بأنها من الأعنف منذ بدء التهدئة، إذ تقدمت قوات الاحتلال بالخط المعروف محليًا بـ"المكعبات الصفراء" لمسافة تقارب 100 متر إضافية باتجاه الغرب، وصولًا إلى شارع صلاح الدين، وسط قصف مدفعي كثيف وإطلاق نار متواصل استمر ساعات، ما أدى إلى نزوح عشرات العائلات التي وجدت نفسها فجأة داخل نطاق السيطرة العسكرية المباشرة.
ويأتي هذا التقدم في سياق سلسلة توسعات متكررة شهدها الخط منذ بدء وقف إطلاق النار، إذ تشير تقديرات ميدانية إلى أنه تحرك غربًا أربع مرات متتالية، قاطعًا مسافة تقدر بنحو 500 متر، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان ورفع مستوى المخاوف من موجات نزوح جديدة في المنطقة.
ليلة من الرعب
عاشت العائلات القريبة من الخط ساعات عصيبة تحت وقع القصف وإطلاق النار الكثيف. ويقول محمود شابط، الذي يقطن في المنطقة، إن أفراد عائلته بقوا متجمعين داخل إحدى الغرف طوال الليل غير قادرين على المغادرة بسبب كثافة النيران وتقدم الآليات العسكرية.
وأضاف: بينما كان يجلس إلى جانب أمتعته استعدادًا للنزوح: "لا نعرف إلى أين سنذهب. اعتقدنا أن القوات ستنسحب مع الصباح، لكننا فوجئنا بتقدم المكعبات الصفراء ووصولها إلى مناطق أقرب لمنازلنا".

من جانبه، قال الصحفي هيثم كريم، وهو من سكان المنطقة، لصحيفة "فلسطين": "في ساعات متأخرة من الليل تقدمت الآليات والجرافات العسكرية تحت غطاء من القصف المدفعي وإطلاق النار الكثيف في محيط مؤسسة الصخرة ومفترق السنافور، وعندما استيقظ السكان صباحًا وجدوا أن الخط تقدم نحو 100 متر إضافية حتى شارع صلاح الدين".
وأوضح كريم أن المنطقة شهدت عدة عمليات توسعة مماثلة منذ بدء التهدئة، حيث كان الخط في البداية قرب حلويات الغزالي على شارع الشعف، قبل أن يتقدم تدريجيًا عبر عدة مراحل وصولًا إلى مفترق السنافور، ليصبح اليوم على شارع صلاح الدين.
وأشار إلى أن التوسع الأخير أجبر عشرات العائلات على النزوح، في حين لا تزال مئات العائلات الأخرى تعيش بمحاذاة الخط الجديد وسط حالة من القلق والترقب لمصير مجهول.
وأضاف أن المنطقة تتحول تدريجيًا إلى بيئة طاردة للسكان بفعل القصف المتكرر، وإطلاق النار باتجاه المنازل، وتفجير الروبوتات المفخخة بين المباني التي ما زالت قائمة، ما يعزز مخاوف السكان من توسعات إضافية خلال الفترة المقبلة.
ورغم تمسك بعض العائلات بالبقاء لعدم امتلاكها بديلاً آخر، اضطرت عائلة كريم، التي تضم نحو ست عائلات بواقع قرابة 30 فردًا، إلى النزوح، في حين يقطن أكثر من 100 شخص في المنازل الملاصقة للخط، إضافة إلى مئات آخرين في المناطق المجاورة.

وأظهرت مشاهد متداولة منازل كانت مأهولة وتقع خارج الخط سابقًا، لكنها أصبحت داخله بعد التقدم الأخير، ما يثير مخاوف من تعرضها للهدم أو الاستهداف، فيما وثقت اللقطات مشاهد نزوح عائلات تحمل ما تبقى من أمتعتها بحثًا عن ملاذ آمن.
وبحسب تقديرات محلية، فإن الخطين الأصفر والبرتقالي يحصران الفلسطينيين حاليًا في نحو 40% فقط من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، ما يفاقم من أزمة الاكتظاظ والنزوح المستمر.
فرض وقائع ميدانية جديدة
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية الدكتور رامي أبو زبيدة أن ما يجري شرق حي التفاح يندرج ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى فرض واقع أمني جديد من خلال توسيع نطاق السيطرة التدريجية داخل المناطق الشرقية لمدينة غزة.
وقال لـ"فلسطين": "التطورات الميدانية خلال الأشهر الماضية تعكس مسعى متواصلًا لدفع الخط الأصفر غربًا وتحويل مساحات إضافية إلى مناطق خاضعة للسيطرة النارية، بما يحد من حركة السكان ويخلق واقعًا جديدًا يصعب تغييره لاحقًا".
وأضاف أن هذه الإجراءات تمنح الاحتلال أوراق ضغط إضافية في أي مسار تفاوضي مستقبلي، خاصة في القضايا المرتبطة بالانسحاب والترتيبات الأمنية.

واعتبر أبو زبيدة أن المؤشرات الحالية تدل على سعي الاحتلال إلى تعزيز سيطرته على محيط شارع صلاح الدين، ليس بالضرورة عبر انتشار دائم للقوات، وإنما من خلال فرض بيئة أمنية تجعل الحركة في المنطقة محفوفة بالمخاطر.
وأشار إلى أن توسعة الخط، وانتشار المجموعات المتعاونة مع الاحتلال في بعض المناطق، وتطوير نقاط المراقبة العسكرية، كلها مؤشرات تتقاطع مع هدف تثبيت السيطرة وتحويل هذه المناطق إلى قواعد متقدمة يمكن استخدامها في عمليات مستقبلية.
وختم بالقول إن التداعيات لا تقتصر على المناطق التي أصبحت داخل نطاق السيطرة المباشرة، بل تمتد إلى محيطها عبر خلق موجات نزوح جديدة وزيادة الضغوط الإنسانية، معتبرًا أن ما يجري يمثل جزءًا من سياسة أوسع لاستثمار حالة التهدئة الهشة في فرض مكاسب ميدانية تدريجية دون اللجوء إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق.

