عبر تاريخها الطويل، مرت الأمة الإسلامية بمحطات ضعف وانكسار، لكنها كانت في كل مرة قادرة على استعادة عافيتها حين تتوافر لها أسباب النهوض وعوامل القوة. وبين جيل صلاح الدين الأيوبي الذي أعاد القدس إلى حضن الأمة، وجيل غزة الذي يواجه واحدة من أعنف الحروب في التاريخ المعاصر، تقف الأمة اليوم أمام سؤال كبير يتعلق بموقعها في مسيرة النهوض والتحرير.
عندما نتأمل تجربة صلاح الدين الأيوبي، نجد أن تحرير القدس لم يكن عملاً عسكرياً مفاجئاً، ولم يكن ثمرة بطولة فردية معزولة، بل كان نتيجة مشروع طويل من الإعداد والبناء. فقد سبق صلاح الدين رجال عظام مهدوا الطريق لمرحلة التحرير، وفي مقدمتهم عماد الدين زنكي الذي بدأ مشروع مواجهة الاحتلال الصليبي، ثم ابنه نور الدين محمود زنكي الذي أسس لمرحلة التوحيد والبناء.
نجح نور الدين في توحيد حلب ودمشق وحمص وحماة وأجزاء واسعة من بلاد الشام، وأقام المدارس والمؤسسات العلمية، ودعم العلماء والقضاة، وعمل على توجيه الأمة نحو مشروع جامع تتوحد حوله الطاقات والجهود. ولم يكن هدفه مجرد توسيع النفوذ، بل إعداد البيئة المناسبة لمعركة التحرير القادمة.
وفي تلك المرحلة برزت شخصيات كان لها دور محوري في صناعة النهضة، مثل القائد أسد الدين شيركوه الذي فتح الطريق أمام توسع المشروع في مصر، والقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الذي لعب دوراً بارزاً في الإدارة والسياسة وتنظيم شؤون الدولة، إلى جانب عشرات العلماء والقادة الذين أسهموا في بناء مشروع متكامل تجاوز حدود الأفراد.
ومع مرور الوقت، استطاع صلاح الدين أن يوحد مصر ودمشق وحلب وحمص وحماة والجزيرة الفراتية وأجزاء واسعة من اليمن والحجاز، فاجتمعت الموارد والطاقات والقدرات العسكرية تحت قيادة واحدة. ولم يكن هذا التوحيد هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لبناء قوة قادرة على مواجهة الاحتلال واستعادة الأرض.
وبعد سنوات طويلة من الإعداد والتربية والتوحيد وبناء المؤسسات والجيش والاقتصاد، جاءت معركة حطين عام 1187م لتكون لحظة الحصاد الكبرى، ثم فُتح الطريق إلى القدس وعادت المدينة المباركة إلى الأمة بعد احتلال استمر قرابة تسعين عاماً.
أما اليوم، فإن غزة تقدم نموذجاً مختلفاً من نماذج الصمود والثبات. فعلى الرغم من الحصار والحروب والدمار والخذلان، ما زال أهلها يتمسكون بحقهم وأرضهم وقضيتهم. وقد أعادت غزة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وأثبتت أن إرادة الشعوب لا يمكن أن تُهزم بسهولة مهما بلغت قوة الخصوم.
لكن قراءة التاريخ تعلمنا أن البطولة وحدها لا تكفي لصناعة النهضة، كما أن الصمود مهما بلغ عظمه يحتاج إلى مشروع شامل يحوله إلى إنجازات استراتيجية طويلة المدى. فقد كان جيل صلاح الدين جزءاً من مشروع حضاري متكامل جمع العلماء والمفكرين والقادة والاقتصاديين وأهل المال والجند، بينما ما تزال الأمة اليوم تعاني من التشتت والانقسام وضعف التنسيق بين إمكاناتها الهائلة.
إن الأمة لا ينقصها عدد السكان، ولا تنقصها الثروات، ولا تفتقر إلى العقول والكفاءات، لكنها ما تزال تبحث عن المشروع الجامع الذي يحول هذه الطاقات إلى قوة مؤثرة. فكما سبق تحرير القدس مشروع طويل من التربية والوحدة والإعداد، فإن أي نهضة حقيقية في عصرنا تحتاج إلى بناء الإنسان، وإصلاح التعليم، وتعزيز البحث العلمي، وتقوية الاقتصاد، وتوحيد الجهود حول أهداف استراتيجية واضحة.
لقد أثبتت غزة أن روح الأمة ما زالت حية، وأن جذوة الكرامة لم تنطفئ رغم كل ما مرت به من محن. لكنها، في الوقت نفسه، تذكرنا بأن التضحيات العظيمة تحتاج إلى بيئة قادرة على استثمارها وتحويلها إلى مشروع نهضوي متكامل يشارك فيه الجميع، من العلماء والمربين إلى الساسة والاقتصاديين وأصحاب القرار.
وإذا كان جيل صلاح الدين قد استطاع الانتقال من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التحرير، فإن التحدي الأكبر أمام الأمة اليوم هو الانتقال من مرحلة التعاطف وردود الأفعال إلى مرحلة البناء وصناعة المستقبل. فنهضة الأمم لا تقوم على المشاعر وحدها، ولا على البطولات الفردية فقط، وإنما على مشروع متكامل تتكامل فيه التربية مع العلم، والوحدة مع القوة، والإرادة مع التخطيط.
وما بين جيل صلاح الدين وغزة، تقف الأمة أمام درس تاريخي واضح؛ فطريق التحرير يبدأ ببناء الإنسان، ويمر عبر توحيد الطاقات وإعداد أسباب القوة، وينتهي بصناعة واقع جديد تملك فيه الأمة قرارها وقدرتها على حماية مقدساتها وقضاياها ومصالحها. تلك هي السنن التي صنعت حطين بالأمس، وهي نفسها السنن القادرة على صناعة نهضة الأمة في الحاضر والمستقبل.

