فلسطين أون لاين

في خيمة مهترئة.. جدة فقدت أبناءها الأربعة وتكافح لإطعام أحفادها

...
صورة لعائلة صُبح
غزة/ أدهم الشريف:

في ساعة مبكرة، أمسكت المسنة سهام صُبح بقدرٍ صغيرة وبدأت تفتش في قاعه عن شيء يبدد جوع أحفادها، في حين اصطف عدد منهم عند بوابة الخيمة وهم يحملون أوعية بلاستيكية صغيرة بانتظار وجبة صغيرة قد تأتي أو لا تأتي.

كانت نظرات الأطفال تتجه نحوها، وكأنها تسألها: "جدتي، هل سنأكل اليوم؟". أشاحت المسنة البالغة (72 عامًا) بوجهها، وضغطت على شفتيها كي لا تفلت دمعة أخرى.

فالجدة التي فقدت أبناءها الأربعة، كان آخرهم في خضّم حرب الإبادة، أصبحت هي السند الوحيد لأيتام يتجرعون مرارة الحرب والفقد والنزوح.

WhatsApp Image 2026-06-14 at 6.13.18 PM.jpeg
 

وفي خيمة تلسع حرارة الشمس سقفها الهش، تخوض الجدة مع أطفالها معركة يومية ضد الجوع والعطش والمرض، في واقع إنساني يزداد قسوة مع كل يوم يمر.

عن فقدها لأبنائها قالت صُبح بنبرة تحمل وجعًا كبيرًا: إن رحلة الفقد بدأت قبل سنوات، حين خسرت 3 من أبنائها بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي، حتى جاءت حرب الإبادة لتنتزع منها ابنها الرابع.

"رحل أبنائي الأربعة وتركوا خلفهم أطفالاً يحتاجون إلى من يرعاهم ويؤمن لهم أبسط مقومات الحياة"، هذا ما أضافته صُبح لصحيفة "فلسطين".

تنحدر هذه المسنة من بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، حيث نشأت وتربت هناك وتزوجت من المواطن رجب صبح، وأنجبا ستة أبناء ذكور، وأربع إناث.

عن ذلك، تقول: "كان لنا منزل مكون من ثلاثة طوابق، أمضينا فيه أعوامًا طويلة ومليئة بالفرح، لكن الحرب قلبت حياتنا رأسًا على عقب".

فمع اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واشتداد القصف الجوي على بيت لاهيا، وبدْء جيش الاحتلال في توغله البري لمحافظة شمالي القطاع، صار النزوح القسري أمرًا لا مفر منه.

WhatsApp Image 2026-06-14 at 6.13.18 PM (1).jpeg
 

ولجأت المسنة وأفراد عائلتها، كما تقول، إلى مراكز الإيواء معتقدين أنها ملاذ آمن، قبل أن يجدوا أنفسهم مجبرين على النزوح إلى جنوبي القطاع الساحلي. هناك، تكشفت أكذوبة الاحتلال بشأن المناطق الإنسانية؛ حيث تتكدس خيام النازحين، ويواصل جيش الاحتلال قصفها وقتل المدنيين بدم بارد.

وعندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر 2025، عادت المسنة برفقة زوجها وأحفادها إلى أطراف بلدة بيت لاهيا، القريبة مما يسمى "الخط الأصفر"، حيث يتمركز جيش الاحتلال، ويرتكب جنوده خروقات يقع ضحيتها مدنيون.

وفي الأشهر الأولى من 2026، وبينما كانت سهام تجلس مع زوجها وآخرين من أفراد العائلة، تحت سقف خيمتهم في بيت لاهيا، حلَّقت مسيّرة إسرائيلية من نوع "كواد كابتر"، على علوٍ منخفض قبل أن تلقي عليهم قنبلة، تسبب انفجارها باستشهاد زوجها المسن البالغ (82 عامًا).

لم تنتظر صُبح كثيرًا بعدما فقدت زوجها، وقررت النزوح مجددًا للحفاظ على ما تبقى من أفراد العائلة، وغالبيتهم من أحفادها الصغار.

وبعد محاولات بحث مستمرة في مناطق النزوح، وجدت العائلة مساحة ضيقة على حافة مكب نفايات اليرموك، وسط مدينة غزة، حيث تتناثر الخيام، وتفتقر جميعها أدنى مقومات الحياة الآدمية.

وعندما تشتد الحرارة داخل الخيمة، تضع المسنة التي تعاني أمراضا مزمنة، قليلا من الماء في يدها وتمررها ببطء على وجهها.

أما أحفادها، فيلجؤون للجلوس عند بوابة الخيمة المهترئة التي تقتحمها الفئران والجرذان من ثقوب تملؤها، وتبدد سكينتهم نهارًا وتقضّ مضاجعهم ليلاً.

ولا تقتصر معاناة الأطفال على الفقد والحرمان، إذ يواجهون ظروفًا صحية قاسية نتيجة الاكتظاظ داخل مركز الإيواء، وانتشار الحشرات وتراكم النفايات وشح المياه اللازمة للنظافة الشخصية.

WhatsApp Image 2026-06-14 at 6.13.18 PM (2).jpeg
 

أمام ذلك، تجد الجدة نفسها في واقع يفوق قدرتها، حيث لا تستطيع تأمين وجبة واحدة يوميًا ومياه نظيفة صالحة للشرب.

وتضيف بصوت متعب: "كنت أظن أن أقسى ما يمكن أن تعيشه الأم هو دفن أحد أبنائها، لكنني وجدت نفسي أودع أربعة منهم واحدًا تلو الآخر.. اليوم لم يعد لدي وقت للبكاء، فأحفادي بحاجة إلى من يبقى معهم ويؤمن بعض احتياجاتهم".

ويعتمد عدد كبير من سكان غزة لاسيما النازحين في مراكز الإيواء على الوجبات المقدمة مجانًا من "التكيات"، التي شهد عملها تراجعًا حادًا في إثر قيود يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على دخول شاحنات المساعدات، وهو ما يُنذر بتداعيات خطيرة على الأوضاع الإنسانية.

وعندما يسأل أحفادها عن الطعام، لا تملك الجدة في كثير من الأحيان ما تقدمه لهم سوى بعض الخبز اليابس أو القليل من الطعام الذي تحصل عليه من جيرانها في خيام النزوح.

"أكثر ما يؤلمني هو نظراتهم عندما يجوعون.. أرى أبناء أبنائي ينامون أحيانًا بلا عشاء، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا"، ختمت حديثها بصوت مكسور.

المصدر / فلسطين أون لاين