فلسطين أون لاين

اليد العليا لا تصنع اليد السفلى.. إعادة التفكير في فلسفة العمل الخيري (1-2)

"اليد العليا خير من اليد السفلى". حديث نبوي قصير في ألفاظه، عظيم في دلالاته، حتى إن المرء كلما أعاد النظر فيه اكتشف أنه لا يرسم فضيلة أخلاقية فردية فحسب، بل يضع للأمة اتجاهاً حضارياً كاملاً. فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يكتفي بالحث على الإنفاق والعطاء، وإنما يوجه المجتمع نحو تكثير الأيدي العليا وتقليل الأيدي السفلى؛ أي نحو بناء مجتمع تكون فيه القدرة على العطاء والإنتاج هي الأصل، وتكون الحاجة والأخذ حالة استثنائية تفرضها الظروف ولا تتحول إلى قدر دائم. إن الإنسان قد يمرض، وقد يفقد عمله، وقد تحل ببلده حرب أو مجاعة أو كارثة طبيعية، فيجد نفسه محتاجاً إلى يد تمتد إليه بالرحمة والمواساة.

وفي هذه الحالات يصبح العطاء واجباً شرعياً وأخلاقياً، وتتحول الإغاثة إلى ضرورة إنسانية لا غنى عنها. لكن الإشكال لا يكمن في وجود اليد السفلى في لحظة من اللحظات؛ فالفقر والحاجة من سنن الحياة الاجتماعية، وإنما يكمن في أن تتحول اليد السفلى إلى حالة دائمة، وأن يصبح الأخذ نمطاً مستقراً، وأن تنشأ مؤسسات وأنظمة تبقي الإنسان في دائرة الحاجة جيلاً بعد جيل.

إن من مقاصد الإسلام الكبرى صيانة كرامة الإنسان. والكرامة لا تعني مجرد توفير الحد الأدنى من البقاء، بل تعني أن يكون الإنسان قادراً على الفعل والمبادرة والعمل والكسب. ولذلك لم يكن غريباً أن يربي الإسلام أبناءه على حب العمل والاعتماد على النفس، وأن يفضل الكسب بالجهد على السؤال والاعتماد على الناس. فالإنسان الذي ينتج ويعطي ويشارك في بناء مجتمعه يعيش معنى الكرامة بصورة أعمق من الإنسان الذي ينتظر دائماً ما يجود به الآخرون.

ومن هنا فإن حديث "اليد العليا خير من اليد السفلى" يمكن أن يقرأ بوصفه إعلاناً عن فلسفة اجتماعية واقتصادية متكاملة. فالأمة التي يكثر فيها المعطون ويقل فيها المحتاجون أمة أكثر قوة واستقلالاً وحيوية. أما الأمة التي يتزايد فيها عدد الآخذين، وتتضخم فيها الحاجة، وتتحول الإعانات إلى أسلوب حياة، فإنها – مهما بلغ حجم التبرعات فيها – تبقى أمة تعاني خللاً في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية.

لقد شهد العالم المعاصر توسعاً هائلاً في قطاع العمل الخيري. وتقوم آلاف المؤسسات والجمعيات بتوزيع مليارات الدولارات سنوياً على المحتاجين في مختلف أنحاء العالم. ولا يمكن إنكار ما قدمته هذه المؤسسات من خدمات جليلة في أوقات الحروب والكوارث والمجاعات. فكثير من الأرواح أُنقذت، وكثير من العائلات وجدت ما يسد رمقها بفضل هذه الجهود.

غير أن حجم العمل الخيري واتساعه يفرضان سؤالاً مشروعاً: هل نجحت هذه الجهود في تقليص دائرة الحاجة، أم أنها – في بعض الحالات – ساهمت دون قصد في إعادة إنتاجها؟ إننا حين ننظر إلى بعض المناطق التي تتلقى المساعدات منذ عقود طويلة نجد أن الفقر ما زال قائماً، وأن الاعتماد على المعونات أصبح جزءاً من البنية الاجتماعية والاقتصادية. بل إن أجيالاً كاملة نشأت وهي ترى أن الحصول على المساعدات أمر طبيعي ومتوقع، في حين تراجعت ثقافة المبادرة والإنتاج في بعض البيئات.

ولا يصح اختزال أسباب هذه الظاهرة في العمل الخيري وحده، فهناك الاستعمار والحروب والاستبداد والفساد وسوء الإدارة وغياب التنمية. لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال النقدي: هل يمكن أن تتحول المساعدة المستمرة إلى شكل من أشكال التبعية؟

المصدر / فلسطين أون لاين