فلسطين أون لاين

تهديدات ترامب باحتلال جزيرة خرج: دليل الانهزام وأضغاث أحلام

تتسارع الأحداث وتتضارب الأخبار بين تهديدات ترامب في الإعلام وتراجعه في الميدان، في مشاهد يومية تعكس تحولًا جيوسياسيًا عميقًا. فالسياسات الأمريكية بقيادة دونالد ترامب لم تعد تهدد استقرار مناطق الصراع الساخنة في الشرق الأوسط فقط، بل تعدّت إلى تقويض أسس التحالفات التي بناها الغرب لعقود مع أمريكا، حيث كشفت صحيفة "الغارديان" عن أرقام صادمة تُظهر تحول الرأي العام الأوروبي ليرى في أمريكا عدوًا محتملًا بدلًا من حليف موثوق.

هذا التحول في النظرة الأوروبية ليس مجرد شعور عابر، بل هو حصيلة تراكمية لسياسات أمريكا التي جرّدت التحالفات من معناها الأخلاقي والاستراتيجي، وحولتها إلى علاقات مصلحة متقلبة. وبينما تنشغل أوروبا بهذا الشرخ العميق، يواصل ترامب مغامراته التهديدية تجاه إيران، والتي يبدو أنها ليست أكثر من تغطية للفشل الاستراتيجي لأمريكا في ظل رئاسة ترامب، الذي ستنعكس تداعياته بالضرر على الجميع، بما في ذلك حلفاء واشنطن في الخليج وإسرائيل وأوروبا.

إن تهديدات ترامب اليومية بضرب إيران، مع مسار المفاوضات المتعرج، وما صرح به من شن ضربات لاحتلال جزيرة خرج والاستيلاء على النفط الإيراني، دليل على عجز القوة الأمريكية عن تحقيق أهدافها في الحرب، وفشل المفاوض الأمريكي أمام المفاوض الإيراني، الذي نجح في فرض طهران ندًا قويًا لأمريكا وإسرائيل بما يملك من صبر وحكمة وقواعد ردع جديدة استطاعت كسر الآلة العسكرية لأمريكا وإسرائيل.

إن تهديدات ترامب بضرب البنى التحتية لإيران ومحو حضارتها في تصريحات نارية سابقة، ثم التراجع متعللًا بإعطاء فرصة للمفاوضات، دليل على إدراك ترامب استحالة تحقيق أهداف ما يصبو إليه في الحرب، وأن إطالتها ستنعكس سلبًا على مستقبله السياسي بشكل خاص، وعلى أمريكا وإسرائيل بشكل عام. كما أن إطلاق التهديدات دون تنفيذ يضعف المصداقية الأمريكية ويجعل الحلفاء في حالة ارتباك عسير، مما يخبئ مستقبل الحرب وتوقعات خروج إيران منتصرة على مستقبل دول الخليج. كما أن الانتقال إلى الحرب مجددًا، لو حدث، فإن النتائج - وعلى ضوء المقدمات المفروضة - لا تختلف عن حرب الأربعين يومًا، فالتجارب تؤكد أن الضغط العسكري الخارجي يزيد التماسك الداخلي حول النظام الإيراني، ولا يؤدي إلى انهياره، كما توهمت واشنطن وتل أبيب.

أضف إلى أن الرهان على الحرب بإخضاع إيران وإجبارها على التراجع دون تحقيق مطالبها ليس سوى أضغاث أحلام أو أحلام يقظة لا تستند إلى الواقع. وعند العروج على تهديد ترامب باحتلال جزيرة خرج ومضيق هرمز والاستيلاء على نفطها، قبل أن يتراجع في نفس اليوم، فإنه لو حصل سيضع أمريكا بموقف مصيري، وهو بمثابة اللعب بالنار أمام معادلات الردع التي استحدثتها إيران في هذه المواجهة، وما أعلنت عنه من وجود مفاجآت إن أقدمت أمريكا على أي تهور يمس سيادتها وبناها التحتية، فضلًا عن التعرض إلى خرج ومضيق هرمز، اللذين يعدان شريان الطاقة الرئيسي لإيران وللعالم.

إن أي عمل عسكري أمريكي في هذه المنطقة سيُقابل برد إيراني حتمي على الممرات المائية، خصوصًا بعد إعلان أنصار الله في اليمن جاهزيتهم لسد باب المندب ودخولهم الحرب رسميًا إلى جانب إيران، مما يعني: (انهيارًا في أسواق النفط والغاز وارتفاعًا تضخميًا عالميًا، وتحويل دول الخليج إلى ساحة لردود الأفعال وهدفًا للصواريخ والمسيرات الإيرانية).

إن تراجع ترامب عن تهديداته هو إعلان فشل في تسجيل مشهد انتصار، ولتداعيات هذا الفشل الأمريكي على أمريكا وإسرائيل والخليج درس لم يُستوعب من قبل قوى الشر وداعميها في الخليج. وربما يكون الفشل في المفاوضات أمام المفاوض الإيراني، الذي حال دون حصول ترامب على أي مسمى للنصر في هذه المرحلة، هو السبب في دفع ترامب إلى إطلاق قذائف صوتية أمام الإعلام باحتلال جزيرة خرج والاستيلاء على النفط الإيراني وطرق الطاقة العالمية في مضيق هرمز.

إن الرد الإيراني الأخير على القواعد الأمريكية كشف زيف ادعاءات ترامب بالقضاء على منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وإنهاء قدراتها القتالية. وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال نفذ ترامب تهديده بالهجوم على خرج هو الفشل، الذي ستكون له عواقب وخيمة على أمريكا وحلفائها، حيث ستجد أمريكا نفسها أمام شرق أوسط خارج سيطرتها، وأمام عالم متعدد القوى، وقد تضطر للتفاوض من موقع أضعف بعد استنفاد أدوات الحرب التقليدية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فستواجه مفارقة مؤلمة؛ فالحرب التي ضغطت من أجلها قد أظهرت قدرة إيران على الصمود، وعززت مكانتها الإقليمية بدلًا من إضعافها. والأسوأ أن قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة ستجعل إسرائيل أقل أمنًا، مع قدرة إيران على استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية بصورة أكثر دقة وجرأة.

أما بالنسبة للسعودية ودول الخليج، فهنا يأتي السؤال الأصعب: هل استوعبت هذه الدول الدرس؟ إيران خرجت من هذه المعركة (سواء العسكرية أو التفاوضية) أكثر قوة ونفوذًا، فكيف ستتعامل مع هذا الواقع الجديد؟

المعطيات تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف على مفترق طرق. فإيران ما بعد العدوان لن تكون إيران ما قبله، فالقوة الإيرانية وصمودها، إلى جانب قوى المحور، قد فرضا بالفعل (قواعد اشتباك جديدة) في المنطقة، أثبتت قدرة إيران على المواجهة وفرض إرادتها. كما أن أمريكا بعد الحرب لن تكون أمريكا قبل الحرب، فالمنطقة أمام عالم متعدد الأقطاب، والصين اللاعب الأقوى، وروسيا بعد حسم حرب أوكرانيا ستعزز وجودها في المنطقة إلى جانب الصين، وربما سيتم تشكيل حلف ناتو أوروبي جديد على أنقاض حلف الناتو الحالي، مما يعني توجيه ضربة قاضية للهيمنة الأمريكية في المنطقة.

وعلى ضوء هذه القراءة، سيكون أمام السعودية ودول الخليج مساران: إما الدخول في علاقات سليمة مع إيران على أسس من الثقة والتعاون، بعيدًا عن إملاءات أمريكا وإسرائيل الرامية إلى التطبيع وفرض الديانة الإبراهيمية، وهذا المسار سيؤدي إلى مرحلة جديدة من الهدوء والازدهار الإقليمي، أو الاستمرار في النهج المعادي لإيران خدمة لأمريكا وإسرائيل، مما سيضع المنطقة على موعد مع جولات أخرى ونزاعات عسيرة، قد تدفع فيها هذه الدول أثمانًا باهظة.

في المحصلة النهائية، إن سياسات ترامب التهديدية والتلويح بحرب كارثية على إيران لا تخدم المصالح الأمريكية ولا الإسرائيلية ولا الخليجية. إنها مجرد مغامرات عالية الكلفة، تترك الولايات المتحدة أمام شرق أوسط أكثر اضطرابًا، وإيران أكثر تشددًا، وإسرائيل أقل أمنًا

المصدر / فلسطين أون لاين