قائمة الموقع

تحت الحصار والحرب.. أجنّة لم تُبصر النور بغزة

2026-06-13T10:43:00+03:00
500-600 سيدة تُجهض في غزة شهريًا منذ بداية العام الجاري
فلسطين أون لاين

بالكاد تلتقط سعاد عيسى (37 عاما) أنفاسها على سرير المستشفى بعد أن خضعت لعملية إجهاض إجبارية في الشهر الرابع من الحمل نتيجة تشوهات خَلقية لجنينها. وفي لحظة واحدة، تحطم حلمها في إنجاب أخٍ لنجلها الوحيد من الذكور.

ترثي سعاد، التي تنحدر من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حلمها بكلمات باهتة: "كان نفسي الله يعطيني ولد وأخاويه (أنجب أخا لابني)، وحملت بولد لكن بسبب الحرب واللي كانوا (الاحتلال) يرموه من أسلحة صار عنده تشوهات ونزلت".

تحمل حكاية سعاد في طياتها أوجاع 500-600 سيدة تُجهض في غزة شهريًا منذ بداية العام الجاري 2026، و6000 أخريات أجهضن خلال عام 2025، تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية والحصار الذي وفر بيئة خصبة وأسبابا متعددة لارتفاع معدلات الإجهاض، وفق ما كشفت عنه صحيفة "فلسطين" الأسبوع الماضي، استنادا إلى بيانات حديثة من وزارة الصحة.

وفي تفصيلٍ لما شهدته من معاناة، تقول سعاد لصحيفة "فلسطين": إنها نزحت قسرًا من جباليا منذ بداية حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتعرضت المناطق التي وُجدت بها للقصف بأسلحة تعتقد أنها تحتوي على الغاز والفوسفور، كما كانت ضحية للتجويع وسوء التغذية والتشريد القسري.

لكن أحد أقسى الحوادث، كان عندما أصيبت بجراح وصدمة من جراء قصف الاحتلال بيت جيرانهم الذي لا يبعد عنهم سوى متر واحد.


 

وفي خيمة نزوحها، تفتقر سعاد إلى مقومات العيش الأساسية ومنها الفراش المناسب، كما أنها بالكاد تجد علاج الضغط الذي أصابها خلال حملها أو الفيتامينات المطلوبة تحت الحصار، فضلا عن تدهور الظروف البيئية المحيطة.

في آخر مرة زارت طبيب النساء والتوليد قبل الإجهاض، أبلغها بأن جمجمة جنينها غير مكتملة، واضعا أمامها سيناريوهين أحلاهما مر: استمرار حملها حتى الشهر الثامن فقط، أو وفاة المولود بعد ثلاثة أيام من ولادته إذا اكتمل الحمل.

أجبرها ذلك على إجراء عملية الإجهاض في مستشفى التوليد التابع لمجمع الشفاء الطبي بغزة، بعد أن قطعت مسافة طويلة من خيمتها في بلدة الزوايدة وسط القطاع وصولا إلى المستشفى.

إجهاضان متتاليان

في حكاية لا تقل ألمًا، تعرضت الثلاثينية منال السرساوي للإجهاض مرتين خلال الحرب إحداهما عندما كانت نازحة قسرًا في جنوب القطاع، والأخرى بعد عودتها إلى مدينة غزة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

تحمل كلمات منال أسىً يختلج صدرها، قائلة لصحيفة "فلسطين" إن إجهاضها الأول كان في الشهر الخامس من الحمل، في وقت عجزت عن توفير علاج "الغدة" الذي كانت تحتاجه وفُقد على مدار سنتين في غزة بسبب الحصار، بينما كانت تعيش في خيمة تفتقر إلى مقومات الحياة.

أما إجهاضها الأخير قبل أيام، فقد حدث بعد حصولها على علاج الغدة. تقول: التزمت الدواء رغم صعوبة الحصول عليه وكنت أتابع في أحد مراكز الرعاية الصحية دون رصد أي مشكلة، لكن في آخر زيارة أبلغوني بأن الجنين فقد النبض منذ ثلاثة أسابيع، ويجب إجهاضه.

في إثر ذلك، حُوّلت منال التي تعيش مع زوجها حاليا في بيته المتضرر من القصف بمدينة غزة، إلى المستشفى ذاته لإجراء عملية الإجهاض، ورغم أنها لا تعلم سببا محددا لفقد الجنين الحياة، فإنها تربط ذلك باستنشاقها دخان أسلحة الاحتلال والخوف والتوتر الشديد وسوء التغذية بسبب المجاعة والنزوح القسري المتكرر والمشي لمسافات طويلة دون توفر المواصلات والتلوث.

ترجيح الإجهاض

لكن منال وسعاد وغيرهن ممن أجهضن بغزة لسن نهاية مأساة الإجهاض. روان الجرو شابة صماء (22 عاما) تركد على أحد أسرة المستشفى أيضا، يحاصرها القلق على مصير جنينها، إذ يرجح الأطباء فقدان الحمل بنسبة 90%.

تقول والدتها منال الجرو لصحيفة "فلسطين"، إن روان حامل بالشهر الخامس وتمكث في المستشفى منذ ثلاثة أيام، في إثر حدوث نزيف، مضيفة: كان يُعتقد أنها حامل بتوأمين وأن أحدهما فقد الحياة، لكن بعد فحوصات متعددة تبين أن هناك جنينا واحدا وأن ثمة دما حوله.

توضح منال أن الأطباء يعتقدون أن ابنتها تعرضت لسقوط ما أو ضربة سببت النزيف، لكنها تنفي ذلك، مشيرة إلى عوامل أخرى ترتبط بحرب الإبادة، منها الأسلحة التي ألقاها الاحتلال على الغزيين.

وتشير إلى أن ابنتها تعاني أيضًا سوء التغذية نتيجة المجاعة التي تعرضت لها، وقد حملت بعد سبعة أشهر من ولادة طفلتها الأولى، ما أفقدها الكثير من العناصر الغذائية اللازمة في وقت لم يتوفر الطعام ولا الشراب.

وعلى الصعيد النفسي، فإن روان كابدت مصاعب معيشية أثرت عليها، إذ تقول والدتها إنها كانت تعيش مع زوجها في بيت مستأجر، لكن تدهور مصادر الدخل في غزة أدت إلى عجزه عن دفع الإيجار. وتعيش الشابة حاليا مع والدتها ريثما يجهز زوجها غرفة من الشوادر والأخشاب مرتفعة الثمن.


 

ولا تنتهي المعاناة عند هذا الحد. تقيم روان مع والدتها في شقة بالطابق السادس وسط تعطل المصعد وعدم توفر الكهرباء والوقود وقطع غيار الصيانة، ما يجبرها على تحمل مشاق الصعود والنزول إليها.

ولا تبدو هذه الحالات الفردية معزولة عن الواقع العام في غزة، إذ تظهر البيانات الحديثة تراجعًا حادًا في عدد المواليد الأحياء بالتزامن مع ارتفاع معدلات الإجهاض خلال الحرب وتداعياتها.

وكشفت صحيفة "فلسطين" الأسبوع الماضي، عن أحدث البيانات المتعلقة بهذه القضية. وأوردت أن شهر أبريل/نيسان 2026 شهد انحدارًا كبيرا في عدد المواليد الأحياء تمثل بـ2004 مواليد فقط، ما يمثل انخفاضا بنسبة 67% عن نوفمبر/تشرين الثاني 2025 الذي شهد ولادة 6076 طفلا.

نسب عالية

صحيّا، يُرجع طبيب النساء والتوليد في مجمع الشفاء د. محمد الجدبة الإجهاض إلى "العديد من ٠أسباب الإجهاض التي لا تخفى على أحد"، موضحا أن في مقدمتها صواريخ الاحتلال وما تحتويه من مواد.


 

وفي حديث مع "فلسطين"، يذكر أن من الأسباب زيادة التوتر لدى الحوامل والتعرض لصدمات عصبية أو السقوط أرضًا، والتنقلات والمجهودات المرافقة للنزوح القسري وقطع مسافات طويلة مشيا وحمل أمتعة ثقيلة.

ويضاف إلى ذلك -وفق الطبيب- تلوث المياه وتسرب مياه الصرف الصحي الذي يسبب التهابات تناسلية أو بولية قد تؤخر الحمل أو تسبب الإجهاض أو الولادة المبكرة، منبها في الوقت نفسه إلى خطورة تلوث الهواء والتعرض للدخان المنبعث من إيقاد النار وغير ذلك.

ويؤكد الجدبة، أن البيئة التي تعيش فيها الغزيات تؤدي إلى نسب إجهاض عالية، وانخفاض في عدد المواليد الأحياء، مدللا على ذلك بالنزوح القسري الأخير الذي فرضه الاحتلال على أهالي مدينة غزة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، وما رافقه من حالة نفسية "سيئة".

وعلى صعيد تأثر الرعاية الصحية بسبب الحرب، يوضح أن الأطباء يحرصون عادة على إجراء كشف مبكر عن أي أمراض لدى الحوامل لضمان سلامة الحمل، لكن على سبيل المثال، غياب مستشفى متخصص بالولادة في محافظة شمال قطاع غزة حاليا ينجم عنه حالات معقدة ومتقدمة ومن ذلك ما يتعلق بمرض الضغط ومضاعفاته.


 

ويؤكد تقريران أعدّتهما منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بالتعاون مع قسم “حقوق الإنسان العالمية” في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو هذا العام، أن ما يجري في غزة يمكن وصفه بسياسة “عنف إنجابي”، تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي.

وبالرغم من سريان اتفاق وقف الحرب في أكتوبر 2025، فإن تداعيات الإبادة لا تزال تُزهق المزيد من أرواح الغزيين، بمن فيهم أولئك الذين لم يبصروا نور الحياة بعد.

اخبار ذات صلة