قائمة الموقع

عمال غزة بين سراب العمل وتكاليف البقاء.. رؤية للتعافي والتمكين

2026-06-13T10:48:00+03:00

بعد نحو ثلاثين شهراً على أحداث السابع من أكتوبر، يعيش العامل الغزي واحدة من أقسى المراحل في تاريخه الحديث، بعدما اجتمعت عليه آثار الحرب والحصار والدمار، ففقد مصدر رزقه ومسكنه وشعوره بالأمان، وأصبح يكافح يومياً لتأمين أبسط مقومات الحياة.

لقد أدى استهداف البنية التحتية وتدمير المصانع والمنشآت وشلل القطاع الخاص إلى انهيار سوق العمل بصورة شبه كاملة. ولم يخسر العامل وظيفته فحسب، بل وجد نفسه نازحاً في خيمة أو مركز إيواء، بعد أن فقد منزله وأحبته وممتلكاته. وأمام هذا الواقع، تحول آلاف العمال من منتجين يعتمدون على جهدهم اليومي إلى أشخاص ينتظرون المساعدات والتكايا لتأمين الغذاء لأسرهم.

هذا التحول القسري لم ينعكس اقتصادياً فقط، بل أحدث صدمة نفسية واجتماعية عميقة، إذ انتقل أصحاب المهن والحرف والخبرات من مواقع الإنتاج إلى دائرة البحث عن البقاء، ما ألقى أعباءً ثقيلة على هويتهم المهنية وكرامتهم الإنسانية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم طبيعة التدخلات الموجهة للعمال، فالقضية لم تعد مرتبطة بتحسين الظروف المعيشية فحسب، بل بصمود المجتمع وقدرته على الاستمرار. ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً حول كيفية إنصاف العمال عبر برامج أكثر فاعلية واستدامة.

وتقدم تجارب دولية عديدة نموذج "العمل مقابل الإغاثة" باعتباره أحد الحلول المناسبة في أوقات الأزمات، إذ يحقق توازناً بين تلبية الاحتياجات الإنسانية والحفاظ على كرامة الإنسان واستثمار طاقاته، بدلاً من اقتصار دوره على تلقي المساعدات.

كما أن إنعاش العمال لا يمكن فصله عن إنعاش القطاع الخاص، الأمر الذي يتطلب التفكير بأساليب جديدة تتناسب مع واقع غزة الحالي. فقد أفرزت الحرب أنماطاً مهنية مستحدثة ومبادرات فردية نشأت استجابة للحاجة، مثل نقل المياه، وجمع الحطب، وصيانة الخيام، وتصليح مواقد الكاز، وإعادة تدوير الأدوات والمواد المتاحة.

وبالرغم من أهمية هذه الأنشطة في مساعدة الناس على التكيف مع الظروف الصعبة، فإن عوائدها المالية محدودة للغاية، ولا تكفي غالباً لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية أو تكاليف السكن المؤقت. وبات كثير من العمال عالقين في دائرة مغلقة؛ يعملون لتسديد إيجار الخيمة أو الأرض، بينما يعتمدون في غذائهم على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية، ازدادت معاناة الفئات الأكثر هشاشة، واضطرت بعض النساء والأطفال إلى دخول سوق العمل في ظروف شاقة لتأمين لقمة العيش، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لحمايتهم.

وللانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التمكين، تبرز مجموعة من الأولويات، أبرزها دعم القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير السيولة في الأسواق المحلية، واحتضان المهن الجديدة وتنظيمها ضمن أطر تعاونية تحمي العاملين من الاستغلال.

كما تبرز أهمية التدريب والتأهيل المهني المستمر، خاصة في المهن المرتبطة بإعادة الإعمار والترميم مستقبلاً، إلى جانب تعزيز ثقافة السلامة والصحة المهنية في بيئة مليئة بالمخاطر ومخلفات الحرب.

ومن الضروري أيضاً اعتماد برامج دعم نقدي منتظمة للعمال لتعزيز قدرتهم الشرائية وحفظ كرامتهم، بالتوازي مع توسيع برامج "الإغاثة مقابل العمل" التي توفر فرص تشغيل مؤقتة وتمنح العمال دوراً فاعلاً في خدمة مجتمعهم.

إن عمال غزة ليسوا مجرد أرقام في سجلات المساعدات، بل يمثلون قوة المجتمع المنتجة وركيزة اقتصاده. ومن ثم فإن دعمهم اليوم ليس عملاً خيرياً أو استجابة موسمية، بل واجب وطني وأخلاقي يهدف إلى حماية الإنسان وتعزيز قدرته على الصمود والتعافي في مواجهة واحدة من أصعب الأزمات التي شهدها القطاع.

اخبار ذات صلة