قائمة الموقع

محمد شاهين يكتب: غزة بين حق البقاء وواجب الإنقاذ

2026-06-13T08:50:00+03:00
محمد مصطفى شاهين
فلسطين أون لاين

ليست غزة اليوم مجرد بقعة جغرافية منكوبة على ساحل البحر المتوسط، بل أصبحت اختبارًا تاريخيًا لضمير النظامين العربي والدولي، ومعيارًا حقيقيًا لقدرة القانون الدولي على حماية الإنسان عندما يصبح الضعف قدرًا، والقوة أداة لفرض الوقائع.

بعد سنوات من الحرب والتدمير والحصار، تبدو غزة وكأنها تقف على الحد الفاصل بين البقاء والانهيار. التقديرات الدولية الأخيرة تشير إلى أن تكلفة التعافي وإعادة الإعمار تتجاوز 71 مليار دولار، فيما تحتاج المرحلة العاجلة وحدها إلى أكثر من 26 مليار دولار لإعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية وإنعاش الاقتصاد المحلي. كما أن حجم الدمار المادي والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بلغ مستويات غير مسبوقة، أدت إلى تراجع مؤشرات التنمية لعقود طويلة.

لكن القضية ليست أرقامًا فقط؛ فالسياسة تعلمنا أن الدولة والمجتمع الدولي لا يقاسان بقدرتهما على إدارة القوة، بل بقدرتهما على حماية الحياة. وعندما يصبح الإنسان مهددًا في غذائه ودوائه ومأواه وتعليمه، فإن الحديث لم يعد عن أزمة إنسانية عابرة، بل عن أزمة وجودية تمس جوهر العقد الأخلاقي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة.

من هنا، فإن أي مقاربة لغزة لا تنطلق من أولوية الإنسان محكوم عليها بالفشل؛ فإعادة الإعمار ليست عملية هندسية لإقامة أبنية جديدة فوق الركام، بل مشروع سياسي وقانوني وأخلاقي لإعادة بناء المجال العام واستعادة الكرامة الإنسانية. لا يمكن إعمار الحجر إذا بقي الإنسان مهددًا، ولا يمكن إنقاذ الإنسان إذا ظلت الأرض رهينة الدمار وعدم الاستقرار.

المطلوب عربيًا هو الانتقال من مرحلة التضامن الخطابي إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي. فالعالم العربي يمتلك الإمكانات المالية والمؤسساتية والخبرات الفنية القادرة على إطلاق صندوق عربي دائم لإعمار غزة، وربط المساعدات بخطة تنموية طويلة الأمد لا تقتصر على الإغاثة الطارئة. والمطلوب أيضًا توفير مظلة سياسية عربية موحدة تمنع تحويل إعادة الإعمار إلى أداة ابتزاز أو ورقة تفاوضية تخضع للتجاذبات الإقليمية والدولية.

أما البعد الإسلامي، فيتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة؛ فغزة ليست قضية شعب محاصر فقط، بل قضية أمة مطالبة بتحويل قيم التكافل والعدل إلى سياسات عملية. والمطلوب تأسيس شراكات بين المؤسسات الوقفية والتنموية والإنسانية في العالم الإسلامي لتمويل الإسكان والتعليم والصحة وتمكين الأسر التي فقدت مصادر رزقها، فالإيواء الكريم ليس منحة، بل حق أصيل من حقوق الإنسان.

دوليًا، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى استعادة هيبة القانون الدولي؛ فالمواثيق الدولية واتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني لا تكتسب مشروعيتها من نصوصها، بل من قدرتها على التطبيق. وعندما تستمر معاناة المدنيين، وتتعطل المساعدات الإنسانية أو تُقيد حركتها من الاحتلال الإسرائيلي، فإن المجتمع الدولي يصبح أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية تتجاوز بيانات القلق والإدانة. والتقارير الحقوقية ما زالت تحذر من استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على المساعدات، ومن مخاطر تفاقم الأوضاع الإنسانية رغم بعض التحسن في تدفق الإغاثة.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد مؤتمر لمجلس السلام فقط، بل بناء تحالف دولي للإنقاذ والتعافي؛ تحالف يضمن تدفق المساعدات دون عوائق، ويؤمن السكن المؤقت واللائق للنازحين، ويطلق مشاريع البنية التحتية، ويعيد تشغيل المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء؛ فإعادة بناء الإنسان في غزة يجب أن تسبق إعادة بناء الجدران.

في الفكر السياسي الحديث، هناك مفهوم يعرف بالأمن الإنساني، وهو مفهوم يتجاوز حماية الحدود إلى حماية البشر أنفسهم. وغزة اليوم تمثل النموذج الأكثر وضوحًا لهذا التحدي بعد ما نفذته آلة الإرهاب الإسرائيلي؛ فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بضمان الحق في الحياة والكرامة والتنمية والاستقرار.

لهذا، فإن إنقاذ غزة ليس واجبًا فلسطينيًا فقط، ولا مسؤولية عربية وإسلامية فحسب، بل استحقاق إنساني عالمي. وكل تأخير في توفير الإيواء الكريم وإعادة الإعمار واستعادة مقومات الحياة الطبيعية يعني توسيع دائرة الألم وإطالة أمد عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.

ستبقى غزة عنوانًا لسؤال أخلاقي كبير يواجه العالم: هل تكون السياسة أداة لإنقاذ الإنسان أم وسيلة لإدارة مأساته؟ والجواب لن تكتبه الخطب ولا البيانات، بل ستكتبه القرارات التي تعيد للإنسان الغزي حقه في الأرض والبيت والكرامة والمستقبل.

اخبار ذات صلة