فلسطين أون لاين

على وقع حرب غزة..

خبير يقرأ أبعاد تصريحات أردوغان بشأن أمن تركيا وأوهام "أرض الميعاد"

...
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
غزة- أنقرة/ علي البطة:

لم تكن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن "أمن تركيا يبدأ من دمشق وبيروت وليس من هاتاي" مجرد موقف سياسي عابر، بل بدت أقرب إلى إعلان رؤية أمنية جديدة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ففي حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة وتصاعد التوترات على أكثر من جبهة، حملت كلمات أردوغان رسائل تتجاوز حدود التضامن السياسي إلى التعبير عن مخاوف تركية متنامية من التحولات الجارية في المنطقة.

وبينما قرأها البعض باعتبارها رسالة مباشرة إلى الاحتلال الإسرائيلي، رأى آخرون فيها مؤشرا على مرحلة جديدة من التنافس على النفوذ وإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط.

جاءت تصريحات أردوغان، الأربعاء الفائت، خلال اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، فقد أكد أن أنقرة لن تسمح بتحقيق ما وصفها ب "أوهام أرض الميعاد"، مشددا على أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولات لفرض وقائع جديدة في الدول المجاورة أو تهديد أمنها القومي بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويرى خبير العلاقات الدولية د. علاء أبو عامر، أن تصريحات أردوغان لا يمكن قراءتها باعتبارها جزءا من السجال السياسي المعتاد بين أنقرة وتل أبيب، بل تعكس انتقال العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة أكثر حساسية تتجاوز الخلافات التقليدية بشأن القضية الفلسطينية إلى صراع نفوذ إقليمي واسع النطاق.

د. علاء أبو عامر
 

وبحسب أبو عامر، فإن القيادة التركية باتت تنظر إلى التطورات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان باعتبارها امتدادا مباشرا للبيئة الأمنية التركية، خاصة مع تزايد العمليات العسكرية الإسرائيلية في العمق السوري وتوسع نطاق الاستهدافات التي تطال مناطق قريبة من الحدود التركية.

ويشير خبير العلاقات الدولية في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن حديث أردوغان عن دمشق وبيروت وحلب يحمل دلالات واضحة بأن أنقرة تعتبر أي محاولات لإعادة رسم خرائط النفوذ أو تغيير التوازنات السياسية والديمغرافية في هذه الساحات مساسا مباشرا بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.

 

دوافع التصعيد

ومن بين أبرز دوافع التصعيد التركي، بحسب قراءة أبو عامر، تنامي القلق داخل أنقرة من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية الحالية إلى خلق واقع إقليمي جديد يضع تركيا أمام تحديات أمنية متزايدة، سواء على حدودها الجنوبية أو في ملفات النفوذ الإقليمي والطاقة.

كما ترتبط هذه التصريحات بالمخاوف التركية من تنامي الخطاب الإسرائيلي اليميني الذي يتحدث عن مشاريع توسعية وأبعاد أيديولوجية تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما دفع القيادة التركية إلى توجيه رسائل ردع سياسية مبكرة تحذر من المساس بمصالحها الاستراتيجية.

ويبرز أيضا عامل شرق البحر المتوسط كأحد المحركات الرئيسية للموقف التركي. فأنقرة تنظر بقلق إلى تنامي التعاون العسكري والأمني بين إسرائيل واليونان وقبرص، وتعتبر أن هذه التحالفات تستهدف الحد من نفوذها البحري وإضعاف موقعها في معادلات الطاقة الإقليمية.

وفي المقابل، لم تمر تصريحات أردوغان دون رد إسرائيلي، إذ سارعت حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرفة إلى توجيه انتقادات حادة للرئيس التركي، واتهمته بالسعي إلى توظيف القضية الفلسطينية لتعزيز حضوره الإقليمي وقيادة الرأي العام في العالم الإسلامي.

 

تحولات استراتيجية

ويعتقد أبو عامر أن إسرائيل تنظر إلى تركيا باعتبارها أحد أبرز العوائق أمام مشاريعها الإقليمية، سواء في سوريا أو شرق المتوسط أو في ما يتعلق بإعادة تشكيل منظومة التحالفات الإقليمية التي برزت خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، ترى أنقرة أن التحركات الإسرائيلية المتسارعة تمثل محاولة لتطويق نفوذها الإقليمي وإضعاف دورها في الملفات العربية والإسلامية، الأمر الذي يفسر ارتفاع سقف التصريحات التركية خلال الفترة الأخيرة مقارنة بالمواقف السابقة.

ورغم حدة الخطاب المتبادل، فإن احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا و(إسرائيل) لا تزال محدودة وفق تقديرات العديد من المراقبين، نظرا للتعقيدات الدولية والإقليمية المحيطة بالعلاقة بين البلدين وتشابك مصالحهما مع القوى الكبرى.

ويتوقع ابو عامر أن تظل المواجهة بين أنقرة وتل أبيب خلال المرحلة المقبلة ضمن إطار الصراع السياسي والاستخباراتي والتنافس على النفوذ الإقليمي، مع استمرار تبادل الضغوط والتحالفات المضادة في سوريا ولبنان وشرق المتوسط، في انتظار ما ستسفر عنه التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

المصدر / فلسطين أون لاين