فلسطين أون لاين

من الزنزانة إلى الإبعاد.. حرية ناقصة تعيد إنتاج الألم

بالصور أسرى محررون أبعدهم الاحتلال إلى غزة يعيشون بين الحرب وحرمان لقاء ذويهم

...
صورة من وقفة احتجاجية بخان يونس أمس للأسرى المحررين احتجاجا على حرمانهم من ذويهم (تصوير: ربيع أبو نقيرة)
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة:

بعد سنوات طويلة قضوها خلف القضبان الإسرائيلية، كان الأسرى المحررون يحلمون بلحظة واحدة فقط: لقاء أمهاتهم وآبائهم وأبنائهم الذين حُرموا منهم عقودًا. غير أن الحرية التي انتظروها طويلاً لم تُنهِ معاناتهم، بل فتحت فصلًا جديدًا أكثر قسوة وتعقيدًا.

ففي إطار صفقة تبادل الأسرى مطلع عام 2025، كان من المفترض إبعاد عدد من الأسرى المحررين إلى جمهورية مصر العربية، حيث يتمكنون من لقاء عائلاتهم، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي نقلهم إلى قطاع غزة، ليجدوا أنفسهم عالقين بين الحرب والدمار والنزوح، وبعيدًا عن ذويهم في الضفة الغربية والقدس.

الأسير المحرر جلال حسام الفقيه من قرية عراق بورين جنوب نابلس، أمضى نحو 23 عامًا في سجون الاحتلال قبل الإفراج عنه في 30 يناير/كانون الثاني 2025، معتقدًا أن رحلة الألم انتهت، لكنها بدأت من جديد.

WhatsApp Image 2026-06-10 at 7.19.57 PM.jpeg
 

ألم بعد التحرر

يقول الفقيه لصحيفة "فلسطين": "كنت أظن أن المعاناة انتهت بخروجي من الأسر، لكنني اكتشفت أن ألمًا جديدًا كان بانتظاري. كان من المقرر إبعادي إلى مصر للقاء عائلتي، إلا أنني نُقلت إلى قطاع غزة، وهناك بدأت رحلة أخرى من الانتظار والألم".

ويضيف أن الحرب التي عادت إلى القطاع في مارس/آذار 2025 ضاعفت من معاناة الأسرى المبعدين، الذين وجدوا أنفسهم بين قسوة الإبعاد ومرارة الحرمان من رؤية أحبائهم.

أما الأسير المحرر إسماعيل الردادي من قرية العبيدية شرق بيت لحم، فيؤكد أن مطلبهم لا يرتبط برفض الحياة في غزة أو بأهلها الذين احتضنوهم، وإنما برغبتهم الإنسانية في لقاء عائلاتهم بعد عقود من الأسر.

يقول الردادي: "أُبعدنا في 30 يناير 2025 إلى قطاع غزة، وكان من المفترض أن نغادر إلى مصر، واليوم نناشد العالم لإنصافنا وتمكيننا من السفر ولقاء أهلنا بعد أكثر من ربع قرن في السجون".

ويضيف بحزن: "والدي ووالدتي توفيا خلال سنوات اعتقالي، ولم يبقَ لي سوى إخوتي وأخواتي. أهل غزة وقفوا معنا وكانوا سندًا لنا، لكن تبقى الضفة الغربية بكل أهلها وذكرياتها جزءًا من أرواحنا".

WhatsApp Image 2026-06-10 at 7.19.56 PM.jpeg
 

حرية منقوصة

أما الأسير المحرر محمد طه عبد الرحمن شعلان من بلدة أبو ديس في القدس، فقد أمضى 26 عامًا خلف القضبان، ورغم فرحته بالحرية، فإنها بقيت منقوصة بسبب حرمانه من لقاء والده المسن.

يقول شعلان: "كان من المفترض أن نُبعد إلى مصر، لكننا وصلنا إلى غزة. الحرية موجودة، لكن الواقع هنا صعب ومؤلم، ومن حقنا أن نلتقي أهلنا".

ويتابع: "والدتي توفيت خلال فترة اعتقالي، ولم يبقَ لي سوى والدي البالغ من العمر 82 عامًا وإخوتي. أنتظر لحظة لقائه بعد كل هذه السنوات، فهي بالنسبة لي تعني الحياة كلها".

ويأمل شعلان أن يتمكن والده من السفر عبر الأردن إلى مصر في حال سُمح للأسرى المبعدين بالمغادرة، ليكون اللقاء المنتظر تعويضًا عن سنوات الغياب الطويلة.

ورغم اختلاف قصصهم، تتشابه معاناة الأسرى المبعدين في غزة، إذ يجمعهم شعور "الحرية الناقصة"، بعد سنوات من الأسر انتهت شكليًا لكنها ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على حياتهم.

WhatsApp Image 2026-06-10 at 7.19.55 PM.jpeg
 

ومن داخل الخيام ومراكز النزوح في قطاع غزة، يوجه الأسرى المحررون نداءً إلى الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والدول الراعية للاتفاقات، مطالبين بالتحرك العاجل لإنهاء معاناتهم وتمكينهم من السفر إلى مصر ولقاء عائلاتهم.

فبالنسبة لهم، لم تعد القضية مجرد انتقال جغرافي، بل حق إنساني مؤجل منذ عقود: حق في عناق أبٍ مسن، أو لقاء أمٍ غابت، أو لمّ شملٍ طال انتظاره خلف أبواب السجون.

خرجوا من الزنازين، لكن قلوبهم ما زالت عالقة عند لحظة لقاء لم تأتِ بعد، لحظة يطوون فيها سنوات الغياب الطويلة بعناق واحد.

المصدر / فلسطين أون لاين