فلسطين أون لاين

تقرير بطالة الخريجين في غزة.. أزمة تتفاقم وتهدد بتآكل رأس المال البشري

...
ارتفاع معدلات البطالة في غزة إلى أكثر من 75% نتيجة الحرب المستمرة
غزة/ رامي رمانة:

يواجه الآلاف من خريجي الجامعات والمعاهد في قطاع غزة أزمة غير مسبوقة، مع ارتفاع معدلات البطالة بينهم إلى أكثر من 75%، نتيجة الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات وما خلّفته من شلل واسع في القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية.

ومع تراجع فرص التوظيف وانكماش النشاط الاقتصادي، تزداد المخاوف من فقدان جيل كامل لفرصه المهنية وتآكل مهاراته العلمية، بما يهدد مستقبل التنمية والتعافي في القطاع.

وأدى استمرار الحصار وتراجع التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة وإعادة الإعمار إلى انخفاض القدرة التشغيلية للقطاعين الحكومي والخاص بأكثر من 60%، ما أغلق أبواب سوق العمل أمام عشرات الآلاف من الخريجين الذين يتدفقون سنويًا إلى سوق يعاني انهيارًا شبه كامل. كما تواجه قطاعات حيوية، أبرزها الصحة والتعليم، أزمة مالية خانقة تحد من قدرتها على استيعاب الكفاءات الشابة بالرغم من الحاجة المتزايدة إليها.

وتروي آلاء صليح (24 عامًا)، خريجة التمريض، معاناتها قائلة: "أمضيت سنوات في التطوع داخل المستشفيات على أمل الحصول على فرصة عمل، لكن الأزمات المالية المتلاحقة تحول دون توظيفنا".

وتضيف لصحيفة "فلسطين": "أخشى أن تتآكل مهاراتي السريرية بسبب بقائي لفترة طويلة دون ممارسة فعلية للمهنة".

وتستذكر آلاء التضحيات الكبيرة التي قدمتها عائلتها لتأمين تكاليف دراستها الجامعية، على أمل أن تكون شهادتها بوابة لتحسين أوضاع الأسرة المعيشية، إلا أن انسداد الأفق الوظيفي جعل تلك الآمال مهددة بالضياع.

ورغم تزايد الحاجة إلى الكوادر الطبية والتمريضية بفعل أعداد المصابين والمرضى، فإن غياب التمويل يمنع تشغيل الخريجين أو حتى توفير عقود مؤقتة لهم.

ولا يختلف واقع خالد عاشور، خريج التعليم الأساسي، كثيرًا عن غيره من الخريجين. فقد أنهى دراسته قبل اندلاع الحرب بعام واحد وهو يطمح لبناء مستقبله المهني، لكنه وجد نفسه أمام سوق عمل مغلق.

ويقول: "الفرص في قطاع التعليم باتت شبه معدومة؛ فالحرب دمّرت عددًا كبيرًا من المدارس، فيما تحولت مدارس أخرى إلى مراكز إيواء للنازحين، إلى جانب الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وتوقف التعيينات لدى وكالة الغوث، ما جعلنا بلا خيارات حقيقية".

ويحاول عاشور تأمين مصدر دخل عبر إعطاء دروس تقوية للطلبة، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها عائلاتهم تحد من قدرتهم على الدفع، ليبقى ما يجنيه دخلًا محدودًا بالكاد يغطي احتياجاته الأساسية.

من جهته، حذر رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين، سامي العمصي، من أن أزمة الخريجين في غزة تجاوزت كونها مشكلة بطالة مؤقتة، لتتحول إلى أزمة بنيوية عميقة تمس الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

وأوضح لـ"فلسطين" أن سوق العمل يعاني خللًا هيكليًا حادًا، إذ فقدت القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والخدمات، قدرتها على استيعاب الطاقات الشابة رغم الحاجة الفعلية إليها.

وأضاف أن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، إلى جانب الأزمة المالية التي تضرب المؤسسات الحكومية والدولية، أدى إلى توقف شبه كامل في عمليات التوظيف، تاركًا آلاف الخريجين سنويًا أمام مستقبل غامض.

وأشار إلى أن استمرار هذا الواقع يهدد بارتفاع معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات، فضلاً عن تفاقم مشاعر الإحباط لدى الشباب.

ودعا العمصي إلى إطلاق خطط طوارئ لتشغيل الخريجين ودمجهم في مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب توفير برامج تشغيل مؤقتة تضمن لهم دخلاً كريمًا، مؤكدًا أهمية الدعم الدولي لإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية وخلق فرص عمل مستدامة.

وفي قراءة اقتصادية أوسع، يرى خبراء أن قطاع غزة دخل مرحلة "الركود الهيكلي" طويل الأمد، وهي حالة تتسم بضعف مزمن في الإنتاج والطلب معًا، وتراجع القدرة على التعافي الذاتي، ما ينعكس بصورة مباشرة على سوق العمل وفرص التشغيل.

وفي هذا السياق، يحذر الخبير الاقتصادي محمد العف من تصاعد ظاهرة "تآكل رأس المال البشري"، موضحًا أن بقاء الخريجين لسنوات خارج سوق العمل يؤدي إلى تراجع مهاراتهم المهنية وفقدانهم القدرة التنافسية، خاصة في التخصصات التطبيقية والتكنولوجية التي تشهد تطورًا متسارعًا.

ويؤكد العف لـ"فلسطين" أن تداعيات هذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد إلى الاقتصاد بأكمله، إذ يفقد المجتمع أحد أهم موارده المتمثل بالكفاءات الشابة المؤهلة، ما يضعف فرص التعافي والتنمية مستقبلًا.

وأشار العف إلى أن انسداد الأفق المهني يدفع أعدادًا متزايدة من الخريجين للتفكير في الهجرة أو البحث عن فرص خارجية، واصفًا ذلك بـ"النزيف الصامت" للعقول والكفاءات، الذي قد يفرغ المجتمع من طاقاته الأكثر إنتاجية على المدى البعيد.

ودعا إلى إعادة توجيه التمويل نحو قطاعات أكثر استدامة، وفي مقدمتها الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال التكنولوجية، باعتبارها مجالات قادرة على تجاوز القيود الجغرافية والسياسية المفروضة على القطاع. كما شدد على أهمية تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتحسين خدمات الإنترنت، وإطلاق برامج تدريب متخصصة تربط الخريجين بفرص العمل الحر والأسواق العالمية.

وأكد أن الاستثمار في الاقتصاد الرقمي لا يمثل حلًا مؤقتًا لأزمة البطالة فحسب، بل خيارًا استراتيجيًا يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الغزي، ويوفر آلاف الفرص للشباب لاستعادة دورهم الإنتاجي وتحقيق مصادر دخل مستدامة في ظل الظروف الراهنة.

المصدر / فلسطين أون لاين