في الوقت الذي كان فيه الدكتور علي أبو سعدة، مدير دائرة التعليم العالي في وزارة التربية والتعليم، يظن أن الطريق عبر حاجز صلاح الدين سيوصله وعائلته إلى "ملاذ آمن" من جحيم القصف، كانت الأقدار تكتب فصلا قاسيا من فصول المعاناة في سجلات هذا الأكاديمي الفلسطيني، الذي تحول من صاحب رسالة تعليمية سامية إلى أسير يقبع في سجون الاحتلال، غائبا عن تفاصيل حياة عائلته التي تمزقت بين الاستشهاد والاعتقال، وتهدمت فوق رؤوس أفرادها جدران دارهم التي كانت تجمعهم.
رحلة النزوح التي انتهت بالفاجعة
تعود فصول المأساة إلى الثالث والعشرين من أكتوبر 2023، حين قرر الدكتور أبو سعدة (47 عاما) النزوح القسري مع زوجته وأبنائه. لكن الاحتلال كان يتربص بهم، فبينما كانت السيارة تشق طريقها على شارع صلاح الدين، استهدفها قصف متعمد.
تستذكر الزوجة "هالة أبو سعدة" (44 عاما) تلك اللحظات في حديثها لصحيفة "فلسطين" بمرارة بالغة قائلة: "لقد استهدف الاحتلال سيارتنا بشكل مباشر، احترقت المركبة وكل ما نملك بداخلها. في تلك اللحظة، ارتقت ابنتنا ريهام (17 عاما)، تلك الفتاة الحنونة التي رحلت وتركت في قلوبنا جرحا لا يندمل".
وتصف هالة حالة زوجها الذي اضطر للعودة بجثمان ابنته الشهيدة إلى غزة تحت وطأة القصف، مؤكدة أنه بكى بكاء شديدا، وكيف تحولت رحلة النزوح الأولى إلى رحلة وداع مؤلمة.
من النزوح إلى سجون الظلام
لم تكن تلك الفاجعة هي نهاية المطاف، فبعد أسابيع، حاول الدكتور علي النزوح مرة أخرى في 19 نوفمبر 2023، وعند وصوله إلى حاجز صلاح الدين، أوقفه جنود الاحتلال ليتم اعتقاله واقتياده لجهة مجهولة، تاركا خلفه عائلة تعاني ويلات الفقد. وما زاد الطين بلة، أن الاحتلال لم يكتف باعتقاله، بل دمر منزله بالكامل خلال فترة غيابه، لتجد العائلة نفسها اليوم بلا مأوى، تعيش وتقتات على أنقاض جدران كانت يوما مسكنا ودفئا.
تزداد مأساة الدكتور أبو سعدة بتراكم الأخبار الصادمة التي يجهلها خلف القضبان، فابنته الكبرى التي تزوجت قبل الحرب أنجبت طفلة لم يرها الجد المكلوم، كما أن شقيقين له قد ارتقيا شهيدين خلال الحرب ولم يعلم بخبر استشهادهما إلا في الأسابيع الماضية، ليبقى في زنزانته يصارع الغموض مع الحنين الممزوج بوجع الفقد والتشرد.
تتابع الزوجة: "إننا نناشد اللجنة الدولية للصليب الأحمر وكل المنظمات الحقوقية والأممية، بأن تضع قضية زوجي على رأس أولوياتها. علي ليس مجرد رقم في سجلات المعتقلين، إنه مرب وأكاديمي خدم وطنه بصدق، واعتقاله دون تهمة هو انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية. كفانا وجعا، لقد فقدنا ابنتنا، ودمر منزلنا، ونحن اليوم نكابد قسوة العيش على أنقاضه.. نريد أن نعرف مصيره، نريد حريته التي سلبت منه وهو في طريقه للنجاة".
وتضيف الزوجة بأسى: "في كل ليلة، أنظر إلى وجوه أبنائي، فأرى في عيونهم تساؤلات صامتة عن والدهم، وأرى في ملامحهم وجع الحرمان من أب كان لهم السند والملاذ. إن غياب علي ليس مجرد غياب لشخص، بل هو غياب للروح التي كانت تمنحنا القوة في هذه الظروف المستحيلة. إنني أستحلف العالم بكل لغات الإنسانية أن يلتفتوا لمعاناتنا، فزوجي كان نذيرا بالعلم والمعرفة، لا يستحق هذا العزل القسري والظلم المديد، ونحن لا نستحق أن نعيش هذا التمزق النفسي والواقع المرير الذي لا يرحم".
ويضيف ابنه حسن (18 عاما) لـ"فلسطين" بصوت يملؤه الشوق والحرقة: "والدي هو رمز الحنان والقدوة، لم يرتكب أي ذنب سوى أنه أراد الحفاظ على ما تبقى من عائلته. اليوم، لا أطلب سوى أن يسمع العالم صوتنا، والدي يعاني خلف القضبان، ونحن هنا نعاني غيابه وتراكم الصدمات بين الأنقاض. أوجه نداء استغاثة لكل حر في هذا العالم، وكل مؤسسة تعنى بحقوق الإنسان، أن تتدخل فورا للضغط من أجل الإفراج عن والدي، ليعود إلينا، ونتمكن من لملمة ما تبقى من حياتنا التي دمرها الاحتلال".
بينما يستمر الدكتور علي أبو سعدة في غياهب الاعتقال، تبقى قضيته صرخة في وجه المجتمع الدولي الذي يقف صامتا أمام تنكيل الاحتلال بالكوادر الأكاديمية والتربوية، الذين تحولوا من بناة للعقول إلى ضحايا لسياسات الاعتقال التعسفي وتدمير الممتلكات.

