بين أروقة الجامعات الدولية التي شهدت على نبوغه، وأزقة غزة المثقلة بهموم الحصار، تشكلت حكاية الدكتور المهندس أحمد حمدي أبو عبسة؛ الأكاديمي الذي لم تزده الشهادات والألقاب إلا تواضعًا وقربًا من قلوب الناس. فبالرغم من سجلات الفقد الطويلة التي طحنت سكان قطاع غزة خلال حرب الإبادة، فإنه كان حاملاً لراية العلم، وحلمًا يمشي على الأرض، وأبًا حنونًا جعل من حضنه ملاذًا لعائلته في أحلك الظروف وأصعبها.
التقت صحيفة "فلسطين" بعائلته المكلومة، لتروي قصة إنسان بكاه كل من عرفه، وافتقدته صروح العلم، إذ تجلس الحاجة الصابرة "أم أحمد"، والدة الدكتور الشهيد، في زاوية ضيقة من زوايا النزوح، تحيطها جراح ثقيلة لا تقوى الجبال الراسيات على حملها. فرحيله لم يكن فجيعتها الأولى ولا الوحيدة في هذه الحرب، بل تلاه إلى علياء الشهادة زوجها، واثنان من أبنائها، وابنتها، إضافة الى بيتها الذي قُصف.
تقول الأم في حديثها: "كان نعم الابن البار، لم يرفع صوته في وجهي يومًا، ولم يتركني في ضيق إلا وكان أول من يمسح دمعتي. ترعرع هنا في حي النصر غرب غزة، ومنذ صغره كان مثابرًا وطالب علم مجتهدًا ومتميزًا، لا يشتكي، بل يبتسم ويقول غدًا أجبر خاطركم".
تضيف: "أحبه أهل الحي، لأنه لم يكن يبخل على إخوانه أو أخواته أو أصدقائه بأي شيء يملكه، كان يوزع طيبته وماله وعلمه على الجميع، واليوم بكاه كل من عرفه في هذا الحي المدمر. ما يُثقل كاهلي ويحرق قلبي أنني ودعت أباه وإخوته وأخته بعده، فلا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وعزائي الوحيد أن اللقاء قريب في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا قصف هناك".
تعلم ليخدم شعبه
هذا الكفاح وتلك المثابرة التي تحدثت عنها الأم بحرقة، يُكمل تفاصيلها شقيقه عبد الرحمن، الذي بدت عليه علامات الحزن واضحة وهو يستذكر مسيرة شهيد العلم التي انتهت فجأة. يروي لـ"فلسطين" أن شقيقه "كان يحمل حلم فلسطين وقضيتها في قلبه وعقله أينما ذهب وحل".
وأضاف: "تخرج متفوقًا من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2005، تخصص هندسة الاتصالات والتحكم، ثم فتحت الأبواب أمامه فسافر إلى أمريكا وحصل على الماجستير في علوم الحاسوب من جامعة فرجينيا عام 2007".

يوضح عبد الرحمن أيضًا، أن شقيقه رغم كل العروض والمغريات وفرص العمل الكبيرة في الخارج، صمّم على العودة إلى غزة، كان يقول: إن "غزة أحق بعلمنا". ولم يتوقف عن شغفه، فحصل على ماجستير ثانٍ من الجامعة الإسلامية عام 2012، ثم نال الدكتوراه في هندسة معالجة الإشارات من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في السعودية عام 2018".
ويتابع عبد الرحمن بنبرة ممزوجة بالقهر: "عندما عاد، التحق بجامعة فلسطين أستاذًا مساعدًا ثم تولى عمادة كلية الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، وكان مخلصًا لطلابه، يدير مشروع (iBridge) ليربط طلاب هندسة البرمجيات بسوق العمل العالمي ويحسن فرص تصدير برمجياتهم وتخفيف وطأة الحصار الخانق عنهم".
وواصل حديثه: "اليوم، افتقدته جامعة فلسطين التي تعرضت كغيرها من الصروح العلمية للتدمير الكامل، وافتقده مسجد مرج الزهور الذي دمره جيش الاحتلال إبّان الحرب كغيره من المساجد، كما افتقده حي النصر الذي تحول إلى ركام، لقد أراد الاحتلال تدمير كل شيء، تدمير الحجر وإبادة العقول المفكرة التي تبني الوطن".
أكاديمي واجتماعي
وفي ذات السياق الأليم، تتحدث ولاء كحيل زوجة الراحل أحمد أبو عبسة، عن الجانب الإنساني واللحظات الأخيرة المرعبة في حياة شريك دربها. تقول لـ"فلسطين": "كان نعم الزوج ونعم الأخ والابن والأب الحنون لأطفاله الصغار، في البيت كان ينسى تمامًا أنه عميد ودكتور كبير، ويتحول إلى غطاء الأمان والدفء لنا وسط الخوف والرعب وأصوات القصف المرعبة".
تضيف: "كنا كغيرنا من الناس نعيش ظروفًا بالغة الصعوبة، نتقاسم شح الماء وندرة الطعام، وكان يبتسم دومًا في وجهي ليطمئنني ويخفف عني. وعندما اشتد القصف ونزحنا إلى مدرسة (العائلة المقدسة) –في حي الرمال الشمالي- في بداية الحرب في ديسمبر/ كانون الأول 2023، اقتحمت قوات الاحتلال المكان بوحشية واعتقلته أمام أعيننا، وعشنا يومين كاملين من الرعب والخوف والدعاء المستمر حتى علمنا أنهم أفرجوا عنه".

تكمل حديثها: "ظننا للحظة أن الكابوس انتهى، وأنه سيعود الآن ليضمنا ويداوي جراحنا ونبكي معًا، لكن سادية هذا الاحتلال لا حد لها؛ فما إن مشى خطوات قليلة في الشارع بعد الإفراج عنه، حتى تتبعته آلياتهم الغادرة وأطلقت قذيفة مباشرة نحو جسده المتعب، فاستشهد على الفور وبقي دمه الطاهر شاهدًا على غدر جنود الاحتلال وجريمتهم".
وتختم الزوجة حديثها: "يبقى الفقد كبيرًا جدًا، والحمل ثقيل على عاتقي وعاتق أمه الصابرة في ظل هذا الخراب الشامل، وبغيابه انكسر سندنا في الدنيا، لكنني أحتسبه عند الله شهيدًا. رحيل زوجي ليس مجرد قصة عابرة، بل شهادة حية وصارخة على جريمة الاحتلال المستمرة وحرب الإبادة التي تتجدد فصولها كل يوم ضد الأبرياء والعلماء الذين لم يحملوا سوى القلم والعلم، وعزاؤنا أنه رحل طاهر اليد واللسان، ولم يقل إلا ما يرضي ربه، فالملتقى الجنة".



