لم تقتصر آثار الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 على الخسائر البشرية والعمرانية الهائلة، بل خلفت واحدة من أخطر الكوارث البيئية التي شهدتها المنطقة في العصر الحديث.
وبينما تنشغل الأنظار بإعادة بناء المنازل والطرق والمرافق العامة، تتشكل في الخلفية أزمة بيئية عميقة قد تؤثر على صحة السكان ومواردهم الطبيعية لعقود طويلة إذا لم تُعالج ضمن أولويات مرحلة التعافي.
ووفق تقييم أولي أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن حجم التدهور البيئي الناجم عن الحرب وُصف بأنه «غير مسبوق»، مع تصاعد مخاطر تلوث التربة والمياه والهواء، وتهديد النظم البيئية الطبيعية بأضرار قد يكون بعضها غير قابل للعكس.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن العمليات العسكرية وما رافقها من دمار واسع النطاق خلّفت أكثر من 39 مليون طن من الركام حتى منتصف عام 2024، أي ما يزيد على 107 كيلوغرامات من الأنقاض لكل متر مربع من مساحة القطاع.
ويحتوي جزء من هذا الركام على مواد خطرة، بينها الأسبستوس، وبقايا الذخائر غير المنفجرة، وملوثات قد تتسرب إلى البيئة المحيطة
لكن الخطر الأكبر قد يكون أقل وضوحاً من مشاهد الدمار. فبحسب تقرير الأمم المتحدة، تعرضت منظومات المياه والصرف الصحي لانهيار شبه كامل، وتوقفت محطات معالجة المياه العادمة، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المياه الملوثة إلى التربة والبحر، مع ازدياد احتمالات تلوث الخزان الجوفي الساحلي الذي يشكل المصدر الرئيس للمياه في القطاع
وتكتسب هذه الأزمة خطورة إضافية إذا ما علمنا أن قطاع غزة كان يعاني أصلاً من أزمة مائية مزمنة قبل الحرب، إذ كانت غالبية المياه الجوفية غير صالحة للشرب وفق تقديرات أممية سابقة، الأمر الذي يجعل أي تدهور إضافي تهديداً مباشراً للصحة العامة والأمن الإنساني.
أما الأراضي الزراعية والغطاء النباتي فقد تعرضا لخسائر جسيمة.
وتفيد دراسات استندت إلى صور الأقمار الصناعية بأن ما بين 38 و48 في المائة من الأشجار والأراضي الزراعية تعرض للتدمير أو الضرر خلال الحرب، وهو ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي ومستقبل الإنتاج الزراعي في القطاع.
وتحذر تقارير دولية من أن التلوث الناجم عن المتفجرات والأنقاض والمواد الكيميائية قد يكون قد وصل إلى التربة والمياه الجوفية، ما يستدعي إجراء مسوحات بيئية شاملة فور توفر الظروف المناسبة للوصول الميداني وإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة.
وفي وجود هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني خطة إنقاذ بيئي متكاملة تكون جزءاً من عملية إعادة الإعمار، لا ملفاً منفصلاً عنها.
وتبدأ هذه الخطة بإعادة تأهيل قطاع المياه والصرف الصحي باعتباره أولوية قصوى، ثم إزالة الأنقاض وفرزها والتعامل الآمن مع المواد الخطرة والذخائر غير المنفجرة، يلي ذلك فحص التربة الزراعية وإطلاق برامج لاستعادة الغطاء النباتي والتنوع الحيوي.
كما تمثل الطاقة المتجددة فرصة مهمة لإعادة البناء بصورة أكثر استدامة. فقد كان قطاع غزة يمتلك قبل الحرب واحداً من أعلى معدلات انتشار أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح في المنطقة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه البنية تعرض للتدمير. وإعادة الاستثمار فيها يمكن أن يخفف الضغط على الموارد المحدودة ويقلل من التلوث البيئي مستقبلاً.
وتتجاوز أهمية التعافي البيئي الجانب الطبيعي وحده، إذ ترتبط مباشرة بالصحة العامة والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي. فالمياه النظيفة، والتربة السليمة، والبحر غير الملوث، ليست قضايا بيئية فحسب، بل شروط أساسية لبقاء المجتمع وقدرته على التعافي.
لقد أصبح واضحاً أن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تقتصر على إعادة تشييد ما تهدم.
فالتحدي الحقيقي يكمن في منع تحول الدمار البيئي الحالي إلى إرث طويل الأمد يثقل كاهل الأجيال القادمة. ومن هنا فإن نجاح أي خطة للتعافي سيُقاس ليس بعدد المباني التي ستُبنى، بل بقدرتها على استعادة البيئة التي تقوم عليها الحياة نفسها.
إن غزة تحتاج اليوم إلى مشروع وطني ودولي لإعادة الإعمار البيئي، يضع الماء والتربة والهواء والبحر في قلب عملية التعافي، لأن بناء الإنسان يبدأ دائماً ببناء البيئة التي يعيش فيها.