نهاد أبو غوش
لم تعد قضية إدارة قطاع غزة بعد دخول التهدئة حيز التنفيذ في شهر أكتوبر الماضي، مجرد مسألة خدمية أو إدارية، بل تحولت إلى عنوان رئيسي للصراع السياسي الدائر حول مستقبل القطاع. وبينما تنص التفاهمات المطروحة على دخول لجنة التكنوقراط التي تم تشكيلها وتتخذ من العاصمة المصرية القاهرة مقراً مؤقتاً لها لتولي الملفات المدنية والإنسانية، تواصل "إسرائيل" عرقلة إنجاز هذه الخطوة.
ويأتي التعطيل الإسرائيلي في وقت ينتظر فيه سكان قطاع غزة أي خطوة من شأنها تخفيف المعاناة المتفاقمة التي خلّفتها حرب الإبادة على امتداد أكثر من عامين ونصف، ما يثير تساؤلات حول حقيقة الموقف الإسرائيلي وأهدافه من إبقاء غزة في دائرة الأزمات المتلاحقة.
وفي ظل الواقع الميداني الذي تفرضه "إسرائيل" تتعقد فرص منح اللجنة صلاحيات فعلية، لتبقى الاحتياجات الإنسانية المُلحّة رهينة التجاذبات السياسية والحسابات الإقليمية والدولية، في وقت تبدي الجهات الحكومية في قطاع غزة استعدادها الكامل لتسليم لجنة التكنوقراط مهامها في القطاع.
ويرى الخبير في الشأن السياسي نهاد أبو غوش، أن رفض الاحتلال دخول لجنة التكنوقراط يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تعطيل تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاقات وخارطة الطريق الخاصة بقطاع غزة.
ويوضح أبو غوش في حديث خاص لصحيفة "فلسطين"، أن "إسرائيل" سعت منذ البداية إلى اختزال المرحلة الأولى من الاتفاق في قضية استعادة الأسرى والجثامين، متجاهلة البنود الأخرى المتعلقة بوقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، والانسحاب التدريجي من مناطق القطاع.
ويبين أبو غوش أن الاحتلال يحاول أيضاً حصر المرحلة الثانية في مطلب نزع سلاح المقاومة، متجاهلاً بقية الالتزامات السياسية والإنسانية. وبحسب تقديره، فإن "إسرائيل" تستفيد من تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية في ظل التطورات الإقليمية، وتسعى إلى فرض رؤيتها الخاصة لمستقبل غزة عبر تعطيل تشكيل قوة لحفظ الاستقرار ومنع دخول لجنة التكنوقراط التي يفترض أن تتولى إدارة الملفات المدنية والخدمية.
ويشير إلى أن الاتفاقات المطروحة تحدد مهام اللجنة في إدارة الشؤون الخدمية تحت إشراف الجهات الدولية المعنية، إلا أن "إسرائيل" لا تبدو مستعدة حتى لقبول هذه الصيغة المحدودة.
ويرى أن السبب يعود إلى رغبة الاحتلال في الإبقاء على حالة الضغط الإنساني في القطاع، من خلال استمرار الحصار وتعطيل الخدمات الأساسية، بما يجعل الحياة في غزة أكثر صعوبة.
ويحذر أبو غوش من أن الخطط الإسرائيلية المعلنة بشأن إعادة الإعمار ترتبط عملياً بمناطق النفوذ والسيطرة العسكرية، الأمر الذي قد يقود إلى تقسيم القطاع جغرافياً وإدارياً.
ويؤكد أن الفلسطينيين باتوا محصورين في مساحة محدودة من القطاع وسط غياب الخدمات الأساسية، بينما تستمر العمليات العسكرية والإجراءات الأمنية التي تعرقل أي جهود لإعادة الحياة الطبيعية.
في السياق، يرى أبو غوش ان المليشيات المسلحة التي يدعمها الاحتلال ويمولها بالسلاح، تمثل تحدياً خطيراً لا يقتصر على لجنة التكنوقراط أو فصائل المقاومة فحسب، بل يطال المجتمع الفلسطيني بأكمله.
ويشير إلى أن إصرار "إسرائيل" على المطالبة بنزع سلاح المقاومة بالتزامن مع استمرارها في تسليح هذه المليشيات يثير مخاوف جدية بشأن الأدوار التي قد تُسند إليها مستقبلاً. ويحذر من أن وجود هذه المليشيات قد يسهم في تعميق حالة الفوضى وعدم الاستقرار داخل القطاع.
من جهته، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المصري طلعت طه، أن إدخال لجنة التكنوقراط كان جزءاً من التفاهمات الرامية إلى تهيئة الظروف الإنسانية والإدارية اللازمة لإنقاذ سكان غزة. لكنه يرى أن "إسرائيل" ما زالت تضع عراقيل متتالية أمام تنفيذ هذا البند، سواء عبر استمرار العمليات العسكرية أو من خلال ربط دخول اللجنة بملفات سياسية وأمنية أخرى.
طلعت طه
ويقول طه لـ "فلسطين"، إن الاحتلال يواصل منع إدخال الكثير من الاحتياجات الأساسية للسكان، كما يواصل المناورة بشأن الانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق، من خلال اشتراط تسليم سلاح المقاومة قبل المضي في أي ترتيبات جديدة. ويعتبر أن هذه الشروط تُستخدم كأدوات للمماطلة أكثر من كونها مسارات واقعية للتوصل إلى حلول.
ويضيف أن الواقع الحالي في غزة يتطلب إدارة مدنية قادرة على التعامل مع أولويات ملحة تبدأ بتوفير الغذاء والدواء والخدمات الصحية، مروراً بقطاع التعليم، وصولاً إلى ملف الإسكان وإعادة إعمار البنية التحتية التي تعرضت لدمار واسع.
ويرى أن منح لجنة التكنوقراط صلاحيات جزئية في هذه الملفات يمكن أن يشكل خطوة أولى نحو تخفيف المعاناة الإنسانية المتفاقمة.
ويعتقد طه أن اللجنة قادرة على العمل إذا توفرت لها الضمانات السياسية والأمنية اللازمة، مشيراً إلى أن "إسرائيل" تستخدم ذرائع متعددة لتأجيل دخولها، منها الوضع الأمني واستمرار وجود المقاومة في القطاع.
ويؤكد أن نجاح اللجنة يتطلب وجود حماية دولية وإسناد سياسي واضح يضمن استقلالية عملها وقدرتها على تقديم الخدمات للسكان بعيداً عن التجاذبات العسكرية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو فرص دخول لجنة التكنوقراط إلى غزة مرتبطة بدرجة كبيرة بحجم الضغوط الدولية التي يمكن ممارستها على "إسرائيل" لتنفيذ التزاماتها. وبينما تتزايد الحاجة إلى إدارة مدنية فاعلة تتولى معالجة الانهيار الخدمي والإنساني، يبقى مستقبل اللجنة مرهوناً بالتجاذبات السياسية الإقليمية والحسابات الإسرائيلية الداخلية، الأمر الذي يجعل سكان غزة الأكثر تضرراً من استمرار التأخير والتعطيل في تنفيذ هذه الترتيبات.