أكد المدير العام للإدارات المدرسية في وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة، د. عائد الربعي، أن قطاع التعليم تعرض خلال حرب الإبادة الجماعية لـ"تدمير ممنهج استهدف الإنسان والمنظومة التعليمية معاً"، مشيراً إلى أن ما يجري يمثل محاولة لضرب مستقبل المجتمع الفلسطيني عبر استهداف المدارس والمعلمين والطلبة استهدافا مباشرا.
وقال الربعي خلال لقاء "نبض غزة" الذي نظمته صحيفة "فلسطين"، تحت عنوان: "التعليم تحت الركام: غزة تكتب الدرس الأصعب"، إن التعليم في غزة لم يعد مجرد عملية تربوية، بل أصبح "ساحة صمود ومواجهة" في حرب تستهدف البنية التعليمية برمتها ضمن ما وصفه بسياسة "هندسة التجهيل".
وأوضح أن قطاع التعليم تكبد خسائر بشرية غير مسبوقة، إذ استشهد أكثر من 20,051 طالباً وطالبة في سن التعليم المدرسي، في حين غادر القطاع نحو 19,886 طالباً. كما فقدت المنظومة التعليمية أكثر من 769 من كوادرها، بينهم 532 معلماً ومعلمة من التعليم الحكومي والخاص و"الأونروا".
وبيّن أن تعطّل التعليم النظامي للعام الثالث على التوالي أدى إلى حرمان نحو 609,751 طالباً وطالبة من التعليم المنتظم، إلى جانب توقف 26,776 من الكوادر التعليمية والإدارية عن العمل بسبب النزوح وتدمير المدارس.
وبالرغم من ذلك، أكد الربعي أن الوزارة نجحت في إعادة دمج مئات آلاف الطلبة ضمن أنماط تعليمية مختلفة، بينها التعليم الوجاهي في نقاط بديلة والتعليم الإلكتروني، بهدف منع انهيار المنظومة بشكل كامل.
تدمير المدارس
قبل الحرب، كان في قطاع غزة 584 مبنى مدرسياً، إلا أن أكثر من 80% منها تعرض لدمار كلي أو بليغ، ما أدى إلى خروج معظم المدارس عن الخدمة.
كما طال الاستهداف 42 مبنى إدارياً من أصل 46 تابعاً لوزارة التربية والتعليم، تشمل المديريات والمقرات والمستودعات ومراكز التدريب والإذاعة التعليمية.

وأشار الربعي إلى تدمير مؤسسات تعليمية متخصصة، بينها مدارس للصم والمكفوفين ومدارس التربية الخاصة، إضافة إلى تضرر 23 مدرسة خاصة، ما أدى إلى انهيار منظومة التعليم الموجه لذوي الإعاقة.
كما خرجت 619 روضة أطفال عن الخدمة، ما حرم نحو 65,969 طفلاً من برامج التهيئة المدرسية، وهو ما سيترك أثره على قدراتهم التعليمية في المراحل اللاحقة.
مدارس ميدانية
في مواجهة هذا الانهيار، أنشأت وزارة التربية والتعليم ما يعرف بـ"المدارس الميدانية"، كحل طارئ لاستمرار العملية التعليمية.
وأوضح الربعي أن عدد هذه المدارس بلغ 830 مدرسة موزعة على مختلف مناطق القطاع، تشمل 175 مدرسة حكومية يستفيد منها أكثر من 240 ألف طالب، إضافة إلى 173 مدرسة مدعومة من مؤسسات محلية ودولية، و45 مدرسة خاصة، و431 مبادرة تعليمية مجتمعية.
كما أقامت "الأونروا" 75 موقعاً تعليمياً مؤقتاً داخل الخيام، استوعبت نحو 68,644 طالباً ضمن التعليم غير النظامي.
وأكد أن الوزارة تتابع هذه المدارس ميدانياً عبر المديريات وفرق الرقابة، مع اعتماد اعتراف مؤقت بالمبادرات المجتمعية لضمان الحد الأدنى من الجودة التعليمية.
فاقد تعليمي
وعدَّ الربعي أن أخطر التحديات هو الفاقد التعليمي المتراكم، الناتج عن الجائحة والحرب معاً، والذي خلق فجوة تعليمية قد تمتد لأكثر من خمس سنوات.

وأوضح أن 118,374 طفلاً دخلوا سن التعليم دون أي خبرة مدرسية، في حين تقلصت أيام الدراسة من 200 يوم إلى نحو 60 يوماً سنوياً، وتراجعت الحصص بنسبة 60%.
وأشار إلى اعتماد خطة تعليمية مركزة على مواد أساسية مثل العربية والرياضيات والعلوم والإنجليزية، في ظل غياب الإمكانيات.
كما لفت إلى تراجع كبير في خدمات التربية الخاصة، حيث انخفض عدد المرشدين من 457 إلى 322، وتراجعت الأدوات المساندة لذوي الإعاقة بنسبة 95%.
معالجة الأزمة
أطلقت الوزارة برنامج التعليم العلاجي لمعالجة الفاقد، عبر تحديد المهارات الأساسية في كل مرحلة تعليمية، وإعداد بطاقات تعليمية لدعم الطلبة.
كما يتم تنفيذ برنامج التعليم المسرع (ALP) لتعويض الفاقد داخل الحصص الدراسية، مع خطط لتوسيعه في العطلات.
وأكد الربعي أن معالجة الفاقد التعليمي تحتاج إلى سنوات طويلة، لكنها بدأت فعلياً عبر خطوات تدريجية.
إلى جانب التعليم الوجاهي، اعتمدت الوزارة التعليم الإلكتروني لضمان استمرارية التعليم.
وسجل أكثر من 85,492 طالباً في منصة "Microsoft Teams"، فيما وصلت المواد التعليمية عبر تطبيقات التواصل لنحو 281 ألف طالب.
كما طورت الوزارة نظاماً إلكترونياً مؤقتاً باسم "Edupoints" لإدارة بيانات الطلبة بعد فقدان الأنظمة السابقة.

وفي المقابل، يواجه القطاع نقصاً حاداً في البنية التحتية التعليمية، مع فقدان أكثر من 440 ألف مقعد وطاولة، و9,842 جهاز حاسوب، وآلاف الأجهزة التعليمية الأخرى.
وأكد الربعي أن الطلبة يضطرون للدراسة في ظروف قاسية داخل الخيام، حيث تُستخدم الأرضيات والجدران كبدائل للصفوف والسبورات.
إلى ذلك، وصف الربعي ملف الثانوية العامة بأنه "معركة إنقاذ مستقبل"، في ظل حرمان آلاف الطلبة من الامتحانات لسنوات.
وأوضح أن الوزارة نفذت دورتين امتحانيتين إلكترونيتين، أسفرتا عن تخريج نحو 68,154 طالباً وطالبة.
وشدد على أن جمع الطلبة داخل قاعات امتحانية تقليدية كان أمراً بالغ الصعوبة في ظل استمرار الحرب، لذلك جرى اعتماد صيغ مرنة تضمن حق الطلبة في التقدم للامتحانات وتحافظ على مصداقية النتائج.
خطط العام القادم
تسعى الوزارة إلى توسيع التعليم الوجاهي تدريجياً، وتحويل الخيام إلى منشآت أكثر استقراراً، إلى جانب تعزيز التعليم الإلكتروني ودمجه في النظام الرسمي.
كما تعمل على إطلاق برامج للدعم النفسي، ومحو الأمية، وتعليم الكبار.
واختتم الربعي حديثه بالتأكيد على أن ما يجري في غزة يمثل "أصعب اختبار يواجه التعليم الفلسطيني"، لكنه شدد على أن استمرار الطلبة في التوجه إلى المدارس رغم الدمار هو رسالة صمود واضحة: "رح نتعلم رغماً عنهم".

