لم تكن فلسطين يوماً بعيدة عن المشهد الرياضي؛ بل كانت من أوائل الدول العربية والآسيوية التي عرفت كرة القدم واحتضنتها، وأسست أنديتها الرياضية بالتوازي مع نهضتها التعليمية والصناعية والثقافية.
غير أن هذا القطاع لم يسلم من مخططات "الحركة الصهيونية" التي سعت، بدعم مباشر من سلطات الانتداب البريطاني إلى السيطرة على الرياضة الفلسطينية باعتبارها جزءاً من مشروعها الاستعماري الرامي إلى الاستيلاء على الأرض وطمس الهوية الوطنية.
في عام 1928، تمكنت الحركة من الحصول اعتراف الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بما عُرف آنذاك بـ"الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم".
ورغم أن الاتحاد كان يضم عرباً ويهوداً وإنجليزاً، فإن "الحركة الصهيونية" أحكمت سيطرتها عليه بالكامل، وشكلت منتخباً اقتصر على اللاعبين اليهود، مع استبعاد تام للاعبين العرب، أصحاب الأرض والحق التاريخي.
تأسيس الاتحاد
وأمام هذه المحاولات الرامية إلى تزوير الواقع الرياضي الفلسطيني، تنامى الوعي الوطني بخطورة ما يجري، خاصة بعد ثورة البراق عام 1929. فجاء الرد في عام 1931 عبر تأسيس "الاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي"، ليشكل إطاراً وطنياً مستقلاً هدفه مقاطعة الفرق والأنشطة الصهيونية، وتنظيم البطولات المحلية والمؤتمرات الشبابية، في معركة مبكرة للدفاع عن الهوية الوطنية وإثبات الوجود الفلسطيني في الساحة الرياضية.
ووفقاً لدراسات المؤرخ الفلسطيني الدكتور عصام الخالدي، استغلت "الحركة الصهيونية" مشاركاتها في تصفيات كأس العالم خلال ثلاثينيات القرن الماضي لتكريس حضورها السياسي والثقافي على الساحة الدولية تحت اسم فلسطين.
ففي تصفيات كأس العالم 1934، شارك المنتخب الذي هيمنت عليه "الحركة الصهيونية" باسم "منتخب فلسطين"، وواجه المنتخب المصري، لكنه خسر ذهاباً في القاهرة بنتيجة 1-7، ثم خسر إياباً في تل الربيع بنتيجة 1-4.
وتكرر المشهد في تصفيات كأس العالم 1938، حين خاض الفريق ذاته المنافسات تحت اسم فلسطين أيضاً، قبل أن يودع التصفيات بالخسارة أمام اليونان بنتيجة 1-3 في أثينا ضمن نظام خروج المغلوب.

تواطؤ الفيفا
في المقابل، شكّل الفلسطينيون منتخباً عربياً خالصاً يمثلهم، إلا أن "الفيفا" رفض الاعتراف به تحت تأثير القوى الاستعمارية السائدة آنذاك، في خطوة حرمت الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في التمثيل الدولي.
ومع وقوع النكبة عام 1948، أُلغيت المؤسسات الرياضية الفلسطينية، وتوقف نشاط المنتخب والاتحادات الرياضية الفلسطينية بفعل الاحتلال.
ورغم ذلك، لم تتوقف الجهود الفلسطينية لاستعادة حضورها الرياضي على الساحة الدولية.
استعادة الحق
وبعد عقود من النضال والمحاولات المتواصلة، تحقق أحد أهم الإنجازات الرياضية الوطنية عام 1998 بانضمام فلسطين رسمياً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، بفضل جهود فلسطينية حثيثة ودعم عربي بارز، كان من أبرز رموزه الراحل الأمير فيصل بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب في السعودية آنذاك.
ويُعد الاتحاد الفلسطيني الحالي لكرة القدم، الذي نال العضوية الدولية عام 1998، الامتداد الشرعي والتاريخي للاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي الذي تأسس عام 1931، وليس للاتحاد الذي تأسس عام 1928 تحت الهيمنة الصهيونية.
ومنذ استعادة الاعتراف الدولي، سجل المنتخب الفلسطيني عدداً من المحطات التاريخية المهمة، أبرزها التتويج بالميدالية البرونزية في الدورة الرياضية العربية التاسعة بالأردن عام 1999، ثم خوض أول مشاركة له في تصفيات كأس آسيا وكأس العالم بين عامي 2000 و2002.
الإنجاز الأبرز
وشهد عام 2015 الإنجاز الأبرز في تاريخ "الفدائي" حتى ذلك الحين، بعدما تأهل للمرة الأولى إلى نهائيات كأس أمم آسيا إثر تتويجه بلقب كأس التحدي الآسيوي.
أما في عام 2027، فيترقب الشارع الرياضي الفلسطيني الظهور الرابع للمنتخب في نهائيات كأس أمم آسيا المقررة في المملكة العربية السعودية، حيث أوقعته القرعة في مجموعة قوية تضم السعودية والكويت وعُمان.
ورغم التاريخ الطويل من محاولات التهميش وسرقة الأرض والرواية، ورغم ما تعرض له القطاع الرياضي الفلسطيني من استهداف مباشر طال الملاعب والأندية والرياضيين، وما خلفه العدوان المستمر على قطاع غزة من شهداء وخسائر أنهت أحلام جيل كامل من اللاعبين، فإن الرياضة الفلسطينية ما زالت حاضرة وصامدة.
فبالنسبة للفلسطينيين، لم تعد الرياضة مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت جزءاً من معركة الوجود والهوية. وفي كل بطولة ومحفل دولي، يواصل الفلسطيني إثبات قدرته على الصمود والمنافسة وانتزاع الإنجاز، رافعاً علم بلاده رغم كل التحديات والتضحيات.

