قائمة الموقع

نساء غزة بين الفقد والفقر.. "إعالة قسرية" في مواجهة الانهيار الشامل

2026-06-07T10:02:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

لم تعد معاناة النساء في قطاع غزة تقتصر على تداعيات الحرب المباشرة أو فقدان الأحبة والمنازل، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء مع انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق. فمع اتساع دائرة الفقر والنزوح، وتوقف مصادر الدخل وشبكات الحماية الاجتماعية، وجدت آلاف النساء أنفسهن فجأة في موقع "المعيل الوحيد" لأسرهن، يتحملن أعباء معيشية ونفسية تفوق قدراتهن، وسط واقع يزداد قسوة وتعقيدًا مع استمرار الحرب.

وتجسد قصة السيدة عبير واحدة من أبرز صور "الإعالة القسرية" التي فرضتها الحرب على نساء غزة. فبعد استشهاد زوجها، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة مسؤولية إعالة خمس بنات، بينهن طفلة مصابة بمتلازمة داون، دون أي مصدر دخل أو شبكة دعم توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وتقول عبير لصحيفة "فلسطين": "واجهت بعد استشهاد زوجي ظروفًا معيشية بالغة الصعوبة، خاصة مع انعدام أي دخل ثابت. فزوجي لم يكن موظفًا يتقاضى راتبًا شهريًا، بل كان يعمل في المهن المتاحة لتأمين احتياجات الأسرة قبل رحيله".

ولم تتوقف معاناتها عند فقدان المعيل، بل امتدت إلى فقدان المنزل والنزوح المتكرر. وتضيف: "دُمّر منزلنا بالكامل، وتنقلنا بين الخيام ومنازل الأقارب. حياة المرأة من دون زوج في هذه الظروف قاسية للغاية، خصوصًا عندما تكون مسؤولة عن أسرة جميع أبنائها من الإناث".

وتتابع: "أعتمد اليوم بشكل كبير على ابنتي البالغة من العمر 15 عامًا في جلب المياه وتلبية الاحتياجات الأساسية، لأنني مضطرة للبقاء إلى جانب ابنتي المريضة وطفلتي الصغرى".

وتوضح أنها كانت تعتمد سابقًا على مخصصات الشؤون الاجتماعية باعتبارها شبكة الأمان الأخيرة للأسرة، إلا أن هذه المساعدات توقفت منذ سنوات، ما ترك آلاف الأسر الفقيرة دون أي غطاء مالي أو دعم منتظم.

وتشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد الأرامل في قطاع غزة، إذ بلغ عددهن نحو 47,019 أرملة، مقارنة بـ20,649 قبل الحرب، بزيادة تقدر بـ26,370 حالة خلال فترة زمنية قصيرة.

وتُظهر الإحصائيات أن 84.6% من الأرامل ينتمين إلى الفئة العمرية بين 19 و59 عامًا، وهي الفئة الأكثر قدرة على العمل والإنتاج، ما يضع أعباء إضافية على سوق عمل شبه منهار بسبب الحرب.

معاناة مضاعفة للنساء ذوات الإعاقة

وفي سياق متصل، تؤكد المرشدة التربوية دعاء بشير، وهي من ذوات الإعاقة البصرية، أن النساء ذوات الإعاقة يواجهن واقعًا أكثر قسوة، نتيجة تداخل آثار الحرب مع التحديات المرتبطة بالإعاقة.

وتوضح أن الحرب لم تكتفِ بتقليص فرص العمل، بل عمّقت عزلة هذه الفئة، خاصة مع تدمير البنية التحتية وغياب وسائل النقل الآمنة، ما جعل الوصول إلى الخدمات الأساسية أو فرص العمل أمرًا بالغ الصعوبة.

وتقول بشير لـ"فلسطين" إن المرأة ذات الإعاقة كانت قبل الحرب تكافح لإثبات حضورها المهني، أما اليوم فقد أصبحت أولوياتها تتركز على تأمين احتياجاتها الأساسية وحمايتها الشخصية في ظل النزوح المتكرر وانعدام الخصوصية داخل مراكز الإيواء.

وتشير إلى أن كثيرًا من النساء فقدن مصادر دخلهن المحدودة، وأصبحن أكثر عرضة للفقر والتهميش، في ظل غياب برامج متخصصة تراعي احتياجاتهن وتضمن دمجهن في خطط الاستجابة الإنسانية.

كما تلفت إلى أن غياب الدعم النفسي والاجتماعي المخصص لهذه الفئة فاقم من معاناتها، مؤكدة أن المرأة ذات الإعاقة لم تعد فقط خارج سوق العمل، بل باتت خارج دائرة الاهتمام في كثير من الأحيان.

وتشدد على أن إنصاف هذه الفئة يبدأ بالاعتراف بخصوصية معاناتها، وإدماجها فعليًا في برامج الإغاثة والتشغيل والتمكين الاقتصادي، بما يحفظ كرامتها واستقلاليتها.

أرقام تعكس حجم الأزمة

وبحسب مسوح أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء بشكل حاد خلال الحرب، إذ أصبحت أكثر من 57 ألف امرأة في غزة المعيل الوحيد لأسرهن نتيجة استشهاد أو إصابة أو اعتقال الأزواج والآباء، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 12% قبل الحرب.

وتعكس هذه الأرقام التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي فرضتها الحرب، حيث انتقلت آلاف النساء من دور المساند الاقتصادي إلى تحمل المسؤولية الكاملة عن إعالة الأسرة وتأمين احتياجاتها الأساسية.

تمكين اقتصادي ضرورة ملحّة

من جهتها، تؤكد الدكتورة أسماء غراب، مستشارة الصحة النفسية في شبكة إعلام المرأة العربية، أن إدماج النساء، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة، في خطط التعافي الاقتصادي بات ضرورة عاجلة، من خلال توفير برامج دعم حقيقية تضمن مصادر دخل مستدامة بدلًا من الاعتماد على المساعدات المؤقتة.

وترى غراب، في حديثها لـ"فلسطين"، أن تجاوز الأزمة يتطلب تبني برامج تمكين اقتصادي قائمة على التدريب المهني المتخصص، بما يتيح للنساء اكتساب مهارات عملية تتناسب مع احتياجات السوق وظروفهن المعيشية.

وتؤكد أن نجاح هذه البرامج يتطلب توفير منظومة متكاملة تشمل التدريب، وأدوات الإنتاج، والدعم الفني، والمتابعة، والمساعدة في التسويق والإدارة، لضمان استمرارية المشاريع وتحويلها إلى مصادر دخل ثابتة.

وتلفت إلى أن المشاريع الصغيرة تمثل الخيار الأكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة في قطاع غزة، خاصة إذا صُممت بما يتناسب مع احتياجات النساء وقدراتهن، بمن فيهن النساء ذوات الإعاقة.

كما تشدد على أهمية تعزيز الشراكات مع المؤسسات المحلية والدولية والجهات المانحة لتوفير التمويل والمنح الصغيرة للمشاريع الريادية، مؤكدة أن التكامل بين التدريب والدعم المالي والمتابعة يشكل أساسًا حقيقيًا لتعزيز صمود النساء وتمكينهن اقتصاديًا في مواجهة تداعيات الحرب

اخبار ذات صلة