على كرسي متحرك، انتظرت شيرين أبو الكاس (18 عامًا) بدء حفل تكريم الناجين الوحيدين وفاقدي الوالدين المتفوقين في الثانوية العامة. كانت تبتسم بهدوء، بينما تخفي خلفها حكاية فقدٍ ثقيلة؛ إذ نجت مع شقيقها من مجزرة أودت بحياة جميع أفراد أسرتها، لكنها فقدت قدميها.
لكن شيرين لم تكن وحدها. ففي احتفال نظمه معهد الأمل للأيتام بالتعاون مع مؤسسة فلسطين الوقفية أمس بغزة، اجتمع ناجون وأيتام في مكان واحد، تقاسموا ألم الفقد وتمسكوا بالأمل، قبل أن يصطفوا على منصة التكريم بعد تفوقهم في الثانوية العامة.
تعيش شيرين واقعًا متأرجحا بين الإصابة والإرادة. يغلب على نبرتها الحزن، وتحاول التعالي على جراحها، مستعيدة مشهدا لا تنساه في حديثها مع صحيفة "فلسطين": "كنت نائمة مثل أي بنت في بيتها مطمئنة، وفجأة الاحتلال قصف البيت مباشرة بدون سابق إنذار أو تحذير... كان في البيت 20 فردا، لم ينج أحد باستثنائي أنا وأخي".
نجاة منقوصة
لكن تلك المجزرة تركت آثارها على شيرين. تقول: "بعد أن قصف بيتنا، وانتشلتني طواقم الدفاع المدني، قالوا لي في المستشفى: رجليكِ بترت، وأهلك استشهدوا كلهم... وألقى الله في قلبي الصبر". كانت تلك صدمة مضاعفة للشابة التي خاضت بعدها محطات معاناة مع النزوح القسري والمجاعة والإصابة.
عن رحلتها مع الثانوية العامة، تقول الشابة المكلومة: ابنة عمي كانت توصلني كل يوم لأكمل التوجيهي، دعمتني ووقفت إلى جانبي، وقد أكرمني الله بمعدل 95%. تستدير بكرسيها المتحرك، قائلة: "كان حلمي هو دراسة التمريض، لكن اليوم بسبب البتر قررت الالتحاق باختصاص آخر ربما يكون تكنولوجيا المعلومات أو الإرشاد النفسي".
وتحمل شيرين في قلبها رسالة لنفسها مفادها أنها قوية وأن الظروف لا تتحكم في الإنسان، وأن استشهاد أهلها لا يعني أنها عاجزة، بل أن بإمكانها إنجاز ما لا يقدر عليه الآخرون. وبعد تنهيدة طويلة، توجه رسالتها إلى العالم: أوقفوا شلال الدم والإبادة، ودعوا الأطفال في غزة يحصلون على حقهم في العلاج والتعليم.
مضت شيرين إلى المنصة، وهي تحمل حلمها وألمها في آن.
الفلسطيني قادر... رغم الجروح
إلى جانبها كانت هناء الغصين تتزين بثوب التخرج. شابة تبرق عيناها بدموع تحبسها، فرحا بما حققته علميا، وحزنا على من فقدتهم. كافحت هناء للوصول إلى هذه اللحظة بعد أن استشهدت والدتها وأختها الصغرى في 27 مايو/أيار 2024 ثم والدها بعد 40 يومًا من الفاجعة الأولى.
حصلت هناء على معدل 98% في الثانوية العامة رغم التحديات. تقول لصحيفة "فلسطين" على وقع أناشيد الاحتفاء بالنجاح: "بقيت على عهدي ووعدي لهم حتى أحصل على هذا المعدل... كانا يتمنيانه، ويُلحان عليّ ويدعمانني لتحقيقه".
هناء التي تعتزم الالتحاق باختصاص الطب البشري، تؤكد أن الإنسان أقوى من الظروف والصعوبات، مضيفة: "الفلسطيني قادر على تحقيق أي شيء رغم الجروح".
اليتيم من فقد طموحه
على المنصة، كان الطالب محمد أبو العمرين يُحوّل كلمة الخريجين الناجين وفاقدي الوالدين إلى مناسبة حماسية للتعبير عن الإرادة، قائلا: "نحتفي بالنجاح والتفوق ونرفع رؤوسنا فرحا بنتيجة السعي والاجتهاد".
وبعبارات التحفيز، يخاطب زملاءه: "اليوم نثبت للعالم أن اليتيم ليس من فقد والديه بل من فقد طموحه وحلمه. لقد استمددنا من قسوة الظروف صلابة الإرادة ومن مرارة الفقد حلاوة الإصرار".
وفي لحظة تأثر بالفقد، لامست كلماته قلوب الخريجين: "تلك الأرواح غابت عن أنظارنا لا عن وجداننا. أمهاتنا وآباءنا الراحلين نحن نعلم أنكم تحرسون فرحتنا من بين طيات الغمام، ربما لم تمتد إلينا أحضانكم وأياديكم لكننا نلمس أنفاسكم في هذا النجاح ونسمع دعواتكم التي أودعتموها السماء فأنبتت فينا إرادة".
ولم ينس أبو العمرين، أن يتعهد بألا يخذل وزملاؤه الآباء والأمهات، وأن يظلوا الأثر الصالح الذي تركوه في الدنيا، مهديا إليهم النجاح.
صناعة الأمل
"هذه وقفة وفاء واحتفاء بجيل استطاع أن يصنع الأمل من بين الركام وأن يكتب قصة نجاح في أصعب الظروف التي عاشها شعبنا"، والكلام هذه المرة لرئيس مجلس إدارة معهد الأمل للأيتام عماد الأعرج.
يضيف الأعرج في كلمة المعهد: "نكرم اليوم أبناء وبنات لم يكن طريقهم للنجاح مفروشا بالطمأنينة والاستقرار إنما الخوف والألم والنزوح والحرمان... أبناءنا الذين نحتفي بهم فقدوا آباء وأمهات أو كليهما ثم جاءت الحرب لتضاعف أوجاعهم"، مشيرًا إلى أن الاحتلال استهدف البشر والشجر والحجر، ودمر البيوت والمدارس والجامعات.
ويشير إلى حرمان الحرب آلاف الطلبة أبسط مقومات الحياة والتعليم، "لكن آلة الحرب لم تهزم إرادتهم ولم يتمكن الدمار من إطفاء نور العلم في قلوبهم"، مردفا: "الأمم تبني عقل الإنسان الذي يحمل رسالة العلم، والذي لا يمكن أن يُهزم مهما اشتدت المحن".
ويرى الأعرج أن ما حققه هؤلاء الطلبة، ليس شهادة مدرسية فقط بل درسا للعالم بأن الطفل الفلسطيني مهما اشتدت عليه الظروف يبقى قادرا على صناعة المستقبل، موجها الخريجين إلى أن هذه ليست المحطة الأخيرة بل بوابة الأمل نحو مستقبل أكبر وأوسع.
ويوضح رئيس مجلس الإدارة، أن معهد الأمل لم يكن مجرد مؤسسة تقدم خدمات اجتماعية وإنما يحتضن أبناءه ويؤمن أن رعاية اليتيم لا تقتصر على توفير احتياجاتهم الأساسية بل تبدأ من بناء شخصياتهم وتنمية قدراتهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وتمكينهم ليكونوا أعضاء فاعلين ومنتجين في مجتمعهم، معربا عن شكره للمساهمين والداعمين.
استمرار المسيرة التعليمية
وفي كلمة وزارة التربية والتعليم، يقول مدير مديرية غرب غزة د.جواد الشيخ خليل: إن هؤلاء الطلبة استطاعوا أن يتفوقوا ويتميزوا في ظل الظروف الصعبة التي مروا بها، معربا عن التقدير لمعلميهم الذين أخذوا على عاتقهم من اللحظات الأولى مع بداية الحرب إكمال الطريق وحملوا راية العلم والتعليم وافترشوا الأرض في مراكز الإيواء والنزوح، وحافظوا على الطلاب بالحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية إلى أن واكبت المؤسسات التعليمية هذا الجهد.
ويوضح الشيخ خليل، أن حرب الإبادة قضت على الأخضر واليابس والبنية التحتية لجميع مقدرات قطاع غزة وخاصة وزارة التربية والتعليم التي أبت كما في كل مرة إلا أن تنهض من جديد للحفاظ على الأجيال والطلاب من الضياع، متابعا: افترشنا الأرض وكتبنا على الشوادر، عانينا من البرد والحر في المدارس الميدانية، وعانى طلابنا ولا يزالون.
ويؤكد أنه رغم هذه المعاناة، وبدعم كامل من الوزارة وصل أصحاب الأيادي البيضاء على هذه اللحظة التي يُحتفى بها بالنجاح والتفوق.
وعن واقع الطلبة في غزة، يبين الشيخ خليل أن وزارة التربية والتعليم تحتضن بين جدران فصولها ما يزيد عن 500 ألف طالب يتعلمون وجاهيا في القطاع، مؤكدا أن هذا العدد ليس كبيرا في ظل الأوضاع الحالية.
ويتابع: الفاقد كان يزيد عما يقارب 150 ألف طالب، سعت وزارة التربية والتعليم بطواقمها لإلحاقهم بالتعليم، وفتح البرنامج الاستدراكي واستطاعت أن تعوض سنوات التعليم لمن لم يتلقاه خلال سنوات الحرب، وتمكنت من معالجة قضايا 120 ألف طالب هم الآن في وضعهم الطبيعي على مقاعد الدراسة.
ويشير الشيخ خليل إلى أن الوزارة مازالت تبحث بشتى الوسائل، عمن تبقوا ممن لم يلتحقوا بعد، وحصلت مؤخرا عبر لجنة البيانات بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والهيئة العامة للبترول على عناوينهم وتواصلت معهم، معلنا فتح البرنامج الاستدراكي مرة أخرى هذا الصيف، والتسجيل لهؤلاء الطلبة واستيعاب العدد الأكبر منهم.
وبين وجع الفقد وأمل المستقبل، يواصل ناجو وأيتام غزة كتابة حكاية صمودهم بالعلم، مؤكدين أن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهزم إرادة الحياة.