فلسطين أون لاين

إعلامي ومحلل سياسي أيَّدَ المُقاومة وهاجم التطبيع

الشهيد أيمن الرفاتي.. صاحب كلمة حرة بقي أثرها رغم الاغتيال

...
الشهيد أيمن الرفاتي
غزة/ عبد الله التركماني:

لم يكن الكاتب والمحلل السياسي د. أيمن الرفاتي، يعلم أن مقاله الأخير سيكون بمثابة وصيته الفكرية الأخيرة قبل ساعات من استهدافه في قصف إسرائيلي، يوم 14 فبراير/ شباط 2024.

حمل مقاله عنوان "ماذا فقد الجيش الإسرائيلي في طوفان الأقصى؟"، وناقش فيه الخسائر السياسية والعسكرية والمعنوية التي لحقت بدولة الاحتلال خلال حربها على قطاع غزة، في وقت كانت فيه الأصوات الفلسطينية التي تفضح الرواية الإسرائيلية تتعرض للملاحقة والاستهداف المتعمد.

رحل الرفاتي جسدًا، لكنه ترك وراءه إرثًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا، صنعه عبر سنوات طويلة من التحليل والكتابة والعمل الصحفي، حتى بات واحدًا من أبرز الأصوات الفلسطينية المتخصصة في الشأن الإسرائيلي، وأكثرها حضورًا وتأثيرًا في الإعلام العربي.

قبل ساعات من استشهاده، ظهر الرفاتي في مقابلة على قناة "الجزيرة"، انتقد فيها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، واتهمه بالمماطلة في التوصل إلى صفقة تبادل أسرى مع حركة حماس، خدمةً لمصالحه السياسية والشخصية.

وبعد ساعات قليلة، استهدفت غارة إسرائيلية منزله في شارع الجلاء بمدينة غزة، ما أدى إلى استشهاده مع خمسة من أفراد عائلته، بينهم شقيقه وزوجة شقيقه وأطفالهما، في مشهد جسد حجم المأساة التي عاشتها العائلات الفلسطينية خلال الحرب.

نشأة وطنية

ولد الرفاتي في مدينة غزة، ونشأ في بيئة وطنية وثقافية جعلته شديد الارتباط بالقضية الفلسطينية منذ سنوات شبابه الأولى. درس الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث حصل على درجة البكالوريوس، قبل أن يكمل دراسته العليا لينال درجة الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة نفسها. لاحقًا سافر إلى لبنان، ونال درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ليجمع بين التكوين الأكاديمي العميق والخبرة الميدانية في العمل الإعلامي والسياسي.

عرف الرفاتي باهتمامه المكثف بدراسة المجتمع الإسرائيلي وحركاته السياسية، وكان يقدم تحليلات معمقة تستند إلى القراءة الأكاديمية والخبرة المتراكمة، ما جعله مؤهلاً ليصبح محللاً دائمًا في وسائل الإعلام العربية، وخاصة قناتي "الجزيرة" و"الميادين"، حيث كان يشرح تطورات الحرب والسياسة الإسرائيلية بلغة هادئة ومعرفة دقيقة.

إلى جانب حضوره الإعلامي، شغل الرفاتي منصب عضو مجلس إدارة مركز الدراسات الإقليمية في غزة منذ عام 2017 وحتى استشهاده، وأسهم في إعداد دراسات وأبحاث سياسية تناولت القضية الفلسطينية والتحولات الإقليمية. كما عمل مراسلاً صحفيًا لدى وكالة "قدس برس إنترناشونال" بين عامي 2010 و2014، وعمل مُحررًا في وكالة "معًا" الإخبارية عام 2008، قبل أن يتفرغ بشكل أكبر للكتابة والتحليل السياسي.

عرف عن الرفاتي رفضه الصريح للتطبيع مع الاحتلال، ودفاعه المستمر عن الحقوق الفلسطينية، كما كان من الأصوات التي دافعت عن حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل التي يكفلها القانون الدولي. ورغم المخاطر المتزايدة خلال الحرب، أصرَّ على البقاء في مدينة غزة، رافضًا النزوح جنوبًا رغم أوامر الإخلاء الإسرائيلية والقصف المتكرر.

يحمل هم الناس

تقول زوجته منى الرفاتي لصحيفة "فلسطين": "أيمن لم يكن مجرد صحفي أو محلل سياسي يظهر على شاشات التلفزيون، بل كان إنسانًا يحمل هم الناس في قلبه طوال الوقت، حتى في أصعب ظروف الحرب، كان يرفض مغادرة مدينة غزة، ويقول دائمًا انطلاقًا من واجبه الأخلاقي والوطني: (كيف أترك الناس وأنا أكتب عن معاناتهم كل يوم؟ الصحفي الحقيقي لا يهرب من الحقيقة مهما كان الثمن)".

وتضيف: "في البيت، كان أيمن أبًا حنونًا وأخًا قريبًا من الجميع، ورغم انشغاله الدائم بالكتابة والتحليل، لم يكن يتأخر عن مساعدة أي شخص يحتاجه. كان يقضي ساعات طويلة في متابعة أوضاع الناس خلال الحرب، يساعد العائلات النازحة، ويتواصل مع الصحفيين الشباب لتشجيعهم وتوجيههم، كثيرون كانوا يقصدونه طلبًا للنصيحة لأنه كان صاحب علم وثقافة وحكمة".

وتتابع: "خلال الأشهر الأخيرة من حياته، كنا نشعر أن الخطر يحيط به من كل مكان، فالمنطقة التي نسكن فيها تعرضت للقصف مرات عديدة، وكنا نطالبه بالمغادرة، لكنه كان يرفض بشدة. قال لنا قبل استشهاده بأيام: (إذا صمت المثقفون والصحفيون الآن، فمن سيقول الحقيقة للعالم؟). كان مؤمنًا بأن الكلمة الحرة شكل من أشكال المقاومة".

يوم صادم

وعن يوم استشهاده، تقول زوجة الرفاتي: إنه كان "يومًا صادما بشكل لا يوصف. فقدنا أيمن وفقدنا معه جزءًا من روح البيت والعائلة. استهدافه لم يكن لشخص فقط، بل محاولة لإسكات صوت فلسطيني كان يمتلك قدرة كبيرة على كشف الرواية الإسرائيلية أمام العالم. لكننا نؤمن أن أفكاره وكلماته ستبقى حاضرة، وأنه انتصر حتى بعد استشهاده لأنه بقي ثابتًا حتى اللحظة الأخيرة".

شكل استشهاد أيمن الرفاتي صدمة كبيرة في الأوساط الإعلامية والثقافية الفلسطينية والعربية، حيث نعاه عشرات الصحفيين والكتاب والإعلاميين الذين عرفوه عن قرب. وكتبت الإعلامية خديجة بن قنة: "تتوالى الفجائع.. أمس ظهر معي على الهواء في آخر مقابلة له قبل استشهاده اليوم.. رحم الله الكاتب والمحلل السياسي أيمن الرفاتي". بينما كتب الإعلامي محمد منصور كلمات مؤثرة استعاد فيها سنوات الصداقة الطويلة التي جمعته بالرفاتي، واصفًا إياه بأنه "الصديق المخلص والإنسان النبيل الذي لم يتخل عن أصدقائه يومًا".

لم يكن الرفاتي مجرد اسم جديد ينضم إلى قائمة الصحفيين الذين قتلتهم (إسرائيل) في غزة، بل كان نموذجًا للمثقف الفلسطيني الذي جمع بين المعرفة الأكاديمية والموقف الوطني والالتزام الأخلاقي تجاه شعبه. وفي زمن الحرب، تحول إلى جبهة وعي كاملة، استخدم فيها الكلمة والتحليل والمعرفة في مواجهة آلة الحرب والدعاية الإسرائيلية.

ورغم رحيله، إلا أنه حضوره بقي في مقالاته وتحليلاته ومواقفه، وفي ذاكرة كل من عرفه أو تابع ظهوره الإعلامي. وبينما حاول الصاروخ الإسرائيلي إسكات صوته، بقيت كلماته شاهدة على مرحلة دامية من تاريخ غزة، وعلى صحفي فلسطيني اختار أن يبقى في مدينته حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنًا أن الكلمة الحرة يمكن أن تكون أقوى من الموت.

المصدر / فلسطين أون لاين