فلسطين أون لاين

هل تمنح واشنطن نتنياهو فرصة جديدة للهروب من استحقاقات الاتفاق؟

تعود الولايات المتحدة مجدداً إلى واجهة المشهد السياسي المتعلق بقطاع غزة، لكن العودة هذه المرة لا تبدو حاملة لأفكار جديدة أو مقاربات مختلفة، بقدر ما تعكس استمراراً للرؤية الإسرائيلية ذاتها التي تحاول اختزال الأزمة في ملف واحد هو “نزع سلاح المقاومة”، متجاهلةً الأسباب الحقيقية التي أوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه، وفي مقدمتها عدم التزام الاحتلال بتنفيذ الاتفاقات والتفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال الأشهر الماضية.

هذا النهج ليس جديداً في السياسة الأمريكية. فواشنطن اعتادت خلال العقود الماضية التعامل مع الأزمات المعقدة عبر التركيز على نتائج الصراع بدلاً من معالجة أسبابه، خاصة في ادارة ترامب.

يبدو أن الإدارة الأمريكية تسير في الاتجاه ذاته، فبدلاً من الانطلاق من الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي والعمل على ضمان تنفيذه، يجري القفز فوق جوهر الأزمة والعودة إلى طرح الشروط الإسرائيلية نفسها وكأن المشكلة تكمن فقط في سلاح المقاومة، وليس في الاحتلال الذي يواصل خرق الاتفاقات وفرض الوقائع الميدانية الجديدة.

الاتفاق الذي تم التوصل إليه سابقاً لم يكن قائماً على معالجة ملف واحد، بل على رزمة متكاملة تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وتفعيل اللجنة الإدارية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، ثم الانتقال إلى معالجة القضايا السياسية والأمنية المختلفة. غير أن الاحتلال تعامل مع الاتفاق بمنطق الانتقائية، فنفذ ما يخدم مصالحه وتجاهل بقية الالتزامات، في حين اكتفى المجتمع الدولي بإدارة الأزمة بدلاً من حلها.

اليوم، ومع الحديث عن مؤتمر جديد أو لقاءات سياسية برعاية أمريكية تضم الوسطاء وعدداً من الأطراف الإقليمية، تتجدد المخاوف من أن تكون واشنطن بصدد إعادة إنتاج التجارب السابقة التي شهدتها المنطقة. فكما تحولت مبادرات عديدة إلى منصات لإدارة الخلافات بدلاً من إنهائها، قد يتحول المؤتمر المرتقب إلى أداة جديدة لمنح حكومة بنيامين نتنياهو مزيداً من الوقت للهروب من استحقاقات الاتفاق.

المفارقة أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب المؤتمرات أو الاجتماعات، وإنما في غياب الإرادة السياسية لإلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته. ومع ذلك، فإنها تبدو أكثر ميلاً إلى إطلاق مسارات تفاوضية جديدة بدلاً من معالجة الخلل القائم في المسارات السابقة.

إن أي حراك سياسي جاد تجاه غزة يجب أن يبدأ من تنفيذ الاتفاقات الموقعة، لا من إعادة التفاوض عليها. فالتجارب الأمريكية الفاشلة في إدارة أزمات المنطقة أثبتت أن تجاوز الأسباب الحقيقية للصراع والتركيز على نتائجه لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى إنتاج أزمات جديدة أكثر تعقيداً.

وإذا كانت واشنطن قد أخفقت مراراً في فرض رؤيتها على ملفات إقليمية كبرى لأنها تجاهلت حقائق الواقع وموازين القوى، فإن تكرار النهج ذاته في غزة لن يقود إلى سلام أو استقرار، بل إلى دورة جديدة من المماطلة السياسية التي يستفيد منها الاحتلال، في حين يدفع الفلسطينيون ثمنها من دمائه.

المصدر / فلسطين أون لاين