لم تكن مريم حجال المناضلة الفرنسية من أصول جزائرية، تتوقع أن تنتهي رحلتها نحو غزة وهي واقفة على متن سفينة حربية إسرائيلية، بعد ساعات من اعتراض الاحتلال الإسرائيلي أسطول الصمود العالمي في عرض البحر الأبيض المتوسط. فالمهمة التي انطلقت لكسر الحصار المفروض على القطاع تحولت إلى تجربة قاسية امتدت من لحظة اقتحام جنود الاحتلال الإسرائيلي للسفينة، مرورا بأيام من الاحتجاز والتحقيق، وصولا إلى ميناء أسدود قبل ترحيلها إلى فرنسا.
في حديثها عن تلك الأيام، تستعيد حجال تفاصيل رحلة بدأت بدافع التضامن مع الفلسطينيين وانتهت، كما تصفها، بمواجهة مباشرة مع الخوف والإذلال والعنف. وبين مشاهد الزوارق الإسرائيلية التي أحاطت بسفن أسطول الصمود، والحاويات التي أطلق المحتجزون عليها اسم "الحجرة السوداء"، وأيام الاحتجاز التي تلت ذلك، ترسم الناشطة الفرنسية الجزائرية صورة لتجربة تقول إنها لن تغادر ذاكرتها ما حييت.
وكانت سفن "أسطول الصمود" قد أبحرت ضمن تحرك دولي يهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وإيصال رسالة تضامن مع سكانه في ظل الحرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2025. وضمت السفن عشرات المتضامنين من جنسيات مختلفة، بينهم أكاديميون وحقوقيون ونشطاء سياسيون. ومع اقتراب الأسطول من المنطقة البحرية المحاذية للقطاع، بدأت السفن الحربية الإسرائيلية بمراقبة تحركاته، قبل أن تنفذ عملية قرصنة واسعة في الثامن عشر من مايو الماضي، لتنتهي الرحلة باقتياد المتضامنين إلى سفن عسكرية إسرائيلية ونقلهم لاحقا إلى مراكز احتجاز وتحقيق داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي.
امتداد لنضال سياسي طويل
تقول حجال في حديثها لصحيفة "فلسطين"، إن مشاركتها في الأسطول لم تكن قرارا عابرا، بل جاءت امتدادا لمسار سياسي ونضالي بدأ منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة. فمنذ ذلك الوقت، شاركت في حملات التعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمظاهرات الأسبوعية الداعمة لفلسطين، وحملات المقاطعة الدولية، كما انخرطت في نشاط سياسي داخل فرنسا دعما للقضية الفلسطينية.
وتؤكد أن إدراكها للمخاطر لم يمنعها من المشاركة، معتبرة أن كل حركة تحرر في التاريخ دفعت أثماناً باهظة من أجل الحرية. وتستحضر في هذا السياق إرث عائلتها الجزائرية المرتبط بتاريخ المقاومة، قائلة إن ذلك الإرث كان حاضرا في قرارها بالمشاركة رغم التهديدات المحتملة.
انضباط واستعداد قبل الاعتراض
على متن سفن الاسطول، ساد شعور بين المتضامنين بالترقب والقلق، لكن دون فوضى. فقد خضع المشاركون، وفق حجال، لتدريبات مسبقة على كيفية التعامل مع أي اعتراض محتمل. وكانت التعليمات واضحة: عدم اللجوء إلى العنف تحت أي ظرف، والالتزام الكامل بأساليب المقاومة السلمية.
وتقول إن المتضامنين كانوا يدركون أن أي رد فعل يمكن أن يستخدم ضدهم لاحقا من الاحتلال، لذلك حرصوا على الالتزام الصارم بالتوجيهات التي تلقوها قبل الإبحار.
تروي حجال أن المشاركين كانوا قد لمحوا سفينة حربية إسرائيلية في الأفق منذ ساعات صباح الثامن عشر من مايو، لكنهم لم يتوقعوا أن تتم عملية الاعتراض في وضح النهار. فجأة اندفع زورق عسكري للاحتلال سريع باتجاه السفينة، وعلى متنه جنود مدججون بالسلاح.
أمر جنود الاحتلال السفينة بإيقاف محركها فورا، فيما جلس المتضامنون داخل قمرة القيادة رافعين أيديهم وفق التعليمات التي تدربوا عليها مسبقا. وتقول حجال إن جنود الاحتلال بدأوا تفتيش الركاب واحدا تلو الآخر، فيما تم تقييد بعض المشاركين ونقل الجميع لاحقا إلى السفينة الحربية الإسرائيلية.
وتضيف أن أجواء الخوف والتوتر سيطرت على الجميع منذ تلك اللحظة، خصوصا مع توجيه جنود الاحتلال الأسلحة بشكل مباشر نحو الركاب.
من سفينة الاعتراض إلى "سفينة التعذيب"
ما إن وصل المتضامنون إلى السفينة الحربية الإسرائيلية حتى دخلوا، بحسب وصف حجال، مرحلة جديدة أكثر قسوة.. وتكمل، جرد المحتجزون من مقتنياتهم الشخصية وأجبروا على الجلوس لساعات طويلة في أوضاع مرهقة، قبل إدخالهم إلى حاويات معدنية مغلقة أطلقوا عليها لاحقا اسم "الحجرة السوداء".
وتصف هذه المرحلة بأنها الأصعب في كامل الرحلة التضامنية، إذ ساد الظلام والبرد والضغط النفسي، في حين عاش المحتجزون حالة من الترقب والخوف المستمر من المجهول.
أيام من الاحتجاز والحرمان
خلال الأيام الثلاثة التالية، عاش المتضامنون ظروفا تصفها حجال بأنها "لا إنسانية"، لقد عانى المحتجزون من نقص الغذاء والمياه، ومن غياب مستلزمات النظافة الأساسية، إضافة إلى الاكتظاظ الشديد داخل أماكن الاحتجاز الإسرائيلية.
وتقول إن النوم كان يتم على أرضيات قاسية داخل الحاويات، وإن المحتجزين كانوا يتقاسمون مساحات ضيقة وسط ظروف صحية صعبة. كما تتحدث عن سماع صرخات محتجزين آخرين خلال فترات الليل، وهو ما زاد من حالة الخوف والإنهاك النفسي.
بعد ثلاثة أيام على متن السفينة الحربية الإسرائيلية، وصل المحتجزون إلى ميناء أسدود، هناك بدأت مرحلة جديدة من الإجراءات الأمنية والتحقيقات الإسرائيلية مع المتضامنين.
وتقول حجال، إن المشاركين أُجبروا على الانتظار لساعات طويلة وهم مقيدون، قبل نقلهم إلى مراكز احتجاز إسرائيلية حيث وجهت إليهم اتهامات تتعلق بمحاولة كسر الحصار عن غزة والدخول إلى منطقة عسكرية مغلقة.
وتحدثت عن عمليات نقل متكررة بين مراكز الاحتجاز، رافقتها ظروف جسدية ونفسية واعتداءات جنسية من جنود الاحتلال، شملت القيود المشددة والحرمان من الراحة والضغط النفسي المستمر.
وترى حجال أن الاهتمام الرسمي الفرنسي بما تعرض له المشاركون الأجانب من الاحتلال الاسرائيلي لا ينفصل عن جنسياتهم الأوروبية، معتبرة أن الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال لا تحظى بالاهتمام نفسه.
وتنتقد ما تصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، داعية إلى خطوات سياسية وقانونية أكثر صرامة تجاه إسرائيل، تشمل وقف الدعم العسكري وفرض إجراءات عقابية على خلفية الانتهاكات المرتبطة بالحرب على غزة.
سأشارك مجددا
ورغم كل ما تعرضت له من الاحتلال، تؤكد المتضامنة مريم حجال أنها لا تنوي التراجع عن نشاطها الداعم لفلسطين.
وتشدد على أنها ستواصل المشاركة في كل المبادرات والتحركات السلمية الرامية إلى رفع الحصار الإسرائيلي عن غزة، معتبرة أن ما عاشته شخصيا لا يقارن بما يعيشه الفلسطينيون يوميا تحت الحصار والحرب.
وتقول إن تجربتها الأخيرة تركت آثارا نفسية عميقة، لكنها عززت لديها القناعة بأن التضامن مع الفلسطينيين ليس خيارا مؤقتا، بل التزام مستمر حتى تحقيق العدالة والحرية للشعب الفلسطيني.