أعاد تحقيق استقصائي قدمه الصحفي السوري قتيبة الياسين ضمن برنامج "تحت الرماد"، فتح ملف فيديوهات مجزرة التضامن، بعدما كشف للمرة الأولى هوية الشقيقين يزن ويوسف جمعة، اللذين قال التحقيق إنهما عثرا على التسجيلات ونقلاها من داخل سوريا إلى جهات خارجية.
لكن نشر التحقيق أثار ردود فعل ناقدة، أبرزها ما طرحه الناشط عز الدين العلي، الذي شكك في عدد من التفاصيل الواردة في رواية الشقيقين، وتحدث عن صلات أوسع جمعتهما ووالدهما بقيادات في ميليشيا الدفاع الوطني بحي التضامن، ما أعاد طرح أسئلة حول خلفيتهما، ودورهما، والطريق الذي سلكته الفيديوهات قبل نشرها.
وبحسب التحقيق، بدأت القصة أواخر عام 2017 أو مطلع عام 2018، عندما تسلم يوسف حاسوبا محمولا يعود إلى أمجد يوسف، أحد أبرز المتهمين بتنفيذ مجزرة التضامن، بهدف إصلاحه وإعادة تهيئته.
وقال يوسف إنه عثر داخل الحاسوب على مجلد يحمل اسم "فداء لروح الشهيد نعيم يوسف"، ويحتوي على عشرات المقاطع التي توثق عمليات قتل وتعذيب وانتهاكات، مشيرا إلى أنه شاهد التسجيلات برفقة شقيقه ووالده، قبل أن يقرروا الاحتفاظ بنسخة منها وإعادة الحاسوب إلى صاحبه.
وأوضح الشقيقان أن المواد ضمت 29 مقطعا، بعضها صور في حي التضامن، فيما صورت مقاطع أخرى في داريا والربوة، وقالا إن التسجيلات لم تكن مرتبطة بمجزرة واحدة فقط، بل كشفت نمطا من الانتهاكات التي ارتكبها عناصر وضباط مرتبطون بفرع المنطقة والدفاع الوطني.
وأشار التحقيق إلى أن يوسف ويزن بدآ بعد ذلك سلسلة اتصالات مع أشخاص خارج سوريا، بينهم صحفيون وحقوقيون، قبل أن تصل نسخة من المقاطع عام 2019 إلى الباحثة أنصار شحود والباحث أوغور أوميت أونغور، اللذين عملا على تحليل التسجيلات والتعرف إلى موقع المجزرة وبعض الأشخاص الظاهرين فيها، وصولا إلى نشر تحقيق صحيفة "الغارديان" عام 2022.
وقدم التحقيق الشقيقين باعتبارهما الحلقة الأولى في رحلة إخراج الفيديوهات، وقال إنهما فضلا إخفاء هويتهما سنوات لأسباب أمنية، وإنهما اشترطا عدم نشر المواد إعلاميا في البداية، وبذل جهود للتعرف إلى الضحايا، وعدم تحقيق أي استفادة مالية منها، وعدم إيصالها إلى جهات المعارضة السورية.
كما أقر يوسف بأنه خدم مدة تراوحت بين أربعة وخمسة أشهر في صفوف الدفاع الوطني بعد إجراء تسوية، قبل نقله إلى مناطق أخرى، فيما قال الشقيقان إن والدهما، وهو موظف حكومي، تفرغ لاحقا لصالح الدفاع الوطني، وتسلم مكتبا يعرف باسم "مكتب الدراسات"، كانت مهمته، وفق روايتهما، إحصاء المنازل ومعرفة المقيمين فيها.
رواية مضادة
في المقابل، قال الناشط عز الدين العلي إن علاقة العائلة بالدفاع الوطني لم تكن عابرة، زاعما أن الشقيقين ووالدهما كانوا منتسبين إلى الميليشيا، وأنهم كانوا محل ثقة عدد من أبرز قادتها في حي التضامن.
وأضاف العلي أن يزن ويوسف كانا مسؤولين عن إصلاح حواسيب تعود إلى قادة وعناصر في الدفاع الوطني، معتبرا أن وصول حاسوب أمجد يوسف إليهما لم يكن نتيجة معرفة سطحية أو حادثة عشوائية، كما ظهرت في التحقيق.
وذكر أن الضابط الذي كان موجودا عندما سلم أمجد يوسف الحاسوب إلى يوسف هو العقيد جمال، الذي وصفه بأنه من المقربين من أمجد يوسف، كما تحدث عن علاقة جمعت والد الشقيقين بصالح الراس الملقب بـ"أبو منتجب"، أحد أبرز قياديي الدفاع الوطني في التضامن.
وطرح العلي تساؤلات عن طبيعة عمل الوالد في مكتب الدراسات، وعن المعلومات التي كان يجمعها المكتب، وعما إذا كان دوره اقتصر على إحصاء المنازل والسكان، أم شمل أعمالا أمنية أوسع.
ويفتح هذا التباين سؤالا حول ما إذا كان التحقيق قد تحقق من طبيعة عمل العائلة وعلاقاتها من خلال مصادر مستقلة وشهادات من أبناء المنطقة، أم اعتمد بصورة أساسية على رواية الشقيقين عن نفسيهما.
كما تساءل العلي عن المدة التي بقيت فيها المقاطع بحوزة الشقيقين قبل وصولها إلى جهات خارجية، وقال إن الفيديوهات ظلت سنوات قبل اتخاذ خطوات عملية لكشفها.
غير أن رواية التحقيق تشير إلى أن العثور على المقاطع حدث أواخر عام 2017 أو مطلع 2018، وأن نسخة من أحد الفيديوهات وصلت إلى أشخاص خارج سوريا في أواخر عام 2018، ثم انتقلت إلى الباحثين خلال عام 2019، ما يجعل الخلاف مرتبطا بتاريخ بدء التواصل الفعلي، وليس بتاريخ نشر التحقيق عام 2022.
وتناول العلي أيضا شروط تسليم المواد، وقال إن خروج الشقيقين من سوريا كان شرطا أساسيا لتسليم الفيديوهات، وإن هذا الشرط شكل بديلا عن الحصول على المال.
في حين قال الشقيقان إن مطالبهما كانت مرتبطة بحماية العائلة، وإنهما لم يطلبا مقابلا ماليا، مؤكدين أنهما رفضا مبلغا عرض عليهما خلال إعداد مادة إعلامية عن القضية.
كما اتهم العلي بعض الجهات التي عملت على الملف بمحاولة استثماره إعلاميا، وقال إن أنصار شحود أرسلت المقطع إلى صحيفة "الغارديان"، بعدما كانت ثلاث جهات تعمل على تحقيقات يفترض نشرها في توقيت متزامن.
أما التحقيق فنقل عن الشقيقين أن تسليم مادة إلى "الغارديان" كان منفصلا عن انتشار نسخة الفيديو على الإنترنت، وأن المقطع أصبح متاحا للعامة نتيجة خطأ تقني في إعدادات مشاركة الملفات.
وقال يوسف إن رابط التخزين السحابي أصبح مفتوحا، ما أتاح تحميل الفيديو، لكنه أقر بأنه لا يستطيع الجزم بكيفية وقوع الخطأ أو الحديث نيابة عن الباحثة أنصار شحود.
وطرح العلي كذلك سؤالا حول ما إذا كان يزن ويوسف قد قدما جميع المعلومات المتوفرة لديهما للباحثين، قائلا إن فريق التحقيق اضطر إلى البحث عن موقع المجزرة وهوية بعض الأشخاص، رغم أن الشقيقين كانا من سكان المنطقة.
ويعيد ذلك فتح النقاش حول حدود المعلومات التي قدمها الشقيقان، وما إذا كانا مصدرين احتفظا ببعض التفاصيل لأسباب أمنية أو بسبب خلافات مع فريق البحث، أم كانا جزءا من البيئة المرتبطة بالدفاع الوطني وأخفيا معلومات تتعلق بدورهما أو بدور أشخاص آخرين.
وفي الوقت ذاته، لم يتضمن رد العلي المنشور وثائق تثبت مشاركة الشقيقين أو والدهما في عمليات قتل أو تعذيب أو اعتقال، كما لم يعرض أدلة مالية تثبت بيع الفيديوهات أو الحصول على مقابل لقاء تسليمها.
ويبقى السؤال الأبرز الذي أثارته الردود: هل كان يزن ويوسف مجرد مصدرين عثرا على أدلة خطيرة وخاطرا بنقلها، أم كانا قريبين من المنظومة التي ارتكبت الجرائم قبل أن يقررا إخراج التسجيلات؟.
ويستدعي حسم هذا السؤال أدلة تتجاوز رواية الشقيقين واتهامات منتقديهما، تشمل وثائق الانتساب، وطبيعة المهام التي أدياها، وشهادات مستقلة من سكان التضامن، وسجلات الاتصالات والمراسلات التي رافقت تسليم المقاطع.
وفي حين نجح تحقيق قتيبة الياسين في كشف جزء ظل غائبا من قصة فيديوهات مجزرة التضامن، فإن الردود التي أعقبته أظهرت أن رحلة المقاطع وخلفية الأشخاص الذين نقلوها ما تزال تحمل تفاصيل تثير