لم تتخيل الكاتبة والأديبة الفلسطينية أمل أبو عاصي، أن تتحول الكلمات التي طالما كتبتها عن الأمل والصمود إلى وسيلتها الأخيرة لمناشدة العالم من أجل إنقاذ حياتها. ففي سن الحادية والأربعين، وجدت نفسها فجأة أمام تشخيص طبي قاسٍ يخبرها بأنها مصابة بسرطان خبيث انتشر في الجزء العلوي من جسدها، لتبدأ رحلة شاقة بين الخوف والترقب والألم، في حين ما يزال العلاج الذي تحتاج إليه بعيد المنال خلف حدود مغلقة.
بكلمات يختلط فيها القلق بالإصرار على الحياة، أطلقت أمل مناشدة إنسانية عاجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتبت فيها: "أنا في أول الأربعين أكتشف أنني مصابة بالكانسر الخبيث، مرحلة ثانية، في منطقتين من جسدي. أقر لي الأطباء تحويلاً للعلاج خارج غزة، لكنني عالقة هنا بانتظار دولة تستضيفني، والتنسيق الأمني".
لم تكن أمل مجرد رقم جديد في قوائم مرضى السرطان في قطاع غزة، بل أحد الأصوات الثقافية المعروفة التي كرست سنوات طويلة للكتابة والإبداع والعمل مع الأطفال. ومع ذلك، وجدت نفسها فجأة مضطرة للانتقال من دور الكاتبة التي تروي معاناة الآخرين إلى بطلة لقصة مؤلمة تروي تفاصيل معركتها الشخصية مع المرض.
ويواجه آلاف مرضى السرطان مصيرًا مجهولاً مع استمرار تدهور المنظومة الصحية، التي تعرضت لاستهداف إسرائيلي مباشر إبّان حرب الإبادة، ونتيجة لسياسات الاحتلال المتحكمة بأعداد المرضى المسموح لهم بالسفر، والتلاعب في أيام فتح معبر وإغلاقه.
وتقول في مناشدتها: "أنا أستحق الحياة، إذ ما زلت أحمل الكثير من العطاء والأفكار النيرة والحب لأطفال غزة". رغم أن كلماتها قليلة، إلا أنها تختصر حجم الخسارة المحتملة إذا ما استمر تأخير حصولها على حقها في السفر وتلقي العلاج خارج القطاع الساحلي في الوقت القريب.
وأوجدت حرب الإبادة ظروفًا استثنائية ومعقدة منذ اندلاعها بالنسبة لهذه الفئة من المرضى، إذ تعرض القطاع الصحي لأضرار واسعة، في حين تراجعت قدرة المستشفيات والمراكز الطبية على تقديم الخدمات التخصصية، ولا سيما تلك المتعلقة بالأورام والعلاجات المتقدمة، ما جعل آلاف المرضى يعتمدون على تحويلات طبية قد تمنحهم فرصة جديدة للحياة.
لكن بالنسبة لأمل، فإن الحصول على تحويلة طبية لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية فصل جديد منها. فالموافقة الطبية على العلاج خارج غزة لا تعني بالضرورة القدرة على السفر فورًا، إذ يبقى المرضى عالقين بين إجراءات السفر المعقدة والبحث عن جهات أو دول تستقبلهم لتلقي العلاج، في حين يواصل المرض تقدمه بصمت داخل أجسادهم.
وتعيش أمل اليوم بين مواعيد الفحوصات والانتظار القاتل للأخبار المتعلقة بإمكانية خروجها للعلاج. وفي كل يوم يمر، يزداد القلق من أن يتحول عامل الوقت إلى تهديد إضافي يضاف إلى خطورة المرض نفسه.

ولا يقتصر اهتمام أمل بالكتابة الشعرية والأدبية، بل إنها استطاعت تأسيس مدرسة وروضة "غرس"، التي بدأت عملها قبل اندلاع الحرب بشهر واحد، يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأجبرت بعدها على النزوح إلى جنوبي القطاع، لتستأنف عمل الروضة هناك، وتمكنت من تخريج أكثر من 400 طالب.
أما أكثر ما يؤلمها، كما تقول لصحيفة "فلسطين": ليس المرض فحسب، بل نظرات الخوف التي تلازم أبناءها وبناتها الأربعة من أي تدهور صحي قد يمسها مع استمرار معاناتها من السرطان ونقص العلاج.
وتضيف: إنها تحاول أن تحافظ على تماسكها، ولن تستسلم أمام مرضها، وتتمسك بالأمل في أن تجد استجابة سريعة لمناشدتها الإنسانية، وتمكينها من السفر وتلقي العلاج اللازم.
وبينما يشكل السرطان الخطر الأول على حياة الأديبة أمل، تحول الانتظار القسري إلى معركة يومية أخرى تهدد فرص نجاتها مع تعثر الجهود الرامية لفتح معبر رفح في ظل تعنت الاحتلال، وخروقاته المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

