بينما تستعد الجماهير في مختلف أنحاء العالم لاستقبال كأس العالم 2026، الحدث الرياضي الأكبر والأكثر متابعة على وجه الأرض، يعيش الفلسطينيون واقعا مختلفا تماما.
فبعد أكثر من عامين وتسعة أشهر من حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، لا تزال أصوات القصف والدمار حاضرة في حياة المواطنين، في وقت تتجه فيه أنظار الملايين نحو الملاعب والنجوم والمنتخبات المشاركة في العرس الكروي العالمي.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر الماضي، فإن الفلسطينيين ما زالوا يواجهون تهديدات متواصلة ومخاوف حقيقية من عودة العدوان في أي لحظة، خاصة في ظل الخطاب التحريضي المتكرر من قادة الاحتلال ضد قطاع غزة.
ويخشى كثيرون أن يستغل الاحتلال انشغال الرأي العام العالمي بمتابعة المونديال لارتكاب مزيد من الانتهاكات والجرائم بعيدا عن الأضواء، كما حدث في مناسبات رياضية كبرى سابقة.
تاريخ من الحروب
وعند العودة إلى تاريخ بطولات كأس العالم، تظهر أكثر من محطة تزامنت فيها المنافسات الكروية مع أحداث دامية عاشها الفلسطينيون والعرب.
ففي صيف عام 1982، وبينما كانت إسبانيا تستضيف المونديال الذي تُوجت فيه إيطاليا باللقب، كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تجتاح لبنان وتحاصر العاصمة بيروت، في واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ المنطقة.
وشهدت تلك الفترة سقوط آلاف الشهداء والجرحى، إضافة إلى الدمار الواسع الذي طال المخيمات الفلسطينية ومدن الجنوب اللبناني، وصولا إلى مجزرة صبرا وشاتيلا التي بقيت شاهدا على واحدة من أبشع الجرائم بحق المدنيين.
وتكرر المشهد بصورة مختلفة عام 2006، عندما كانت ألمانيا تحتضن منافسات كأس العالم التي انتهت بتتويج إيطاليا بلقبها الرابع.
ففي الوقت الذي كانت فيه الجماهير تحتفل بأجواء البطولة، كانت الطائرات الإسرائيلية تشن حربا مدمرة على لبنان، مخلفة مئات الضحايا ودمارا واسعا في البنية التحتية والقرى والمدن اللبنانية.
أما في عام 2014، وخلال كأس العالم في البرازيل، تعرض قطاع غزة لعدوان استمر 51 يوما، وأسفر عن استشهاد أكثر من ألفي فلسطيني، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى تدمير آلاف المنازل والمنشآت والبنى التحتية.
وبينما كانت الجماهير العالمية تتابع تألق المنتخب الألماني في طريقه إلى اللقب، كان الفلسطينيون يعيشون واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ القطاع.
وفي مونديال 2018 بروسيا، الذي توجت فيه فرنسا باللقب، كانت غزة تعيش على وقع مسيرات العودة الكبرى على طول الحدود الشرقية للقطاع، وخلال تلك الفترة، ارتكبت قوات الاحتلال عمليات قتل واستهداف مباشر للمتظاهرين السلميين، ما أدى إلى استشهاد وإصابة الآلاف، بينهم أطفال وشبان تعرض كثير منهم لإصابات خطيرة تسببت في إعاقات دائمة وبتر للأطراف.
مخاوف من سيناريو جديد
واليوم، وقبل انطلاق مونديال 2026، يلاحق الاحتلال سجل ثقيل من الانتهاكات بحق الرياضة الفلسطينية، فقد أسفرت حرب الإبادة الأخيرة على غزة عن استشهاد أكثر من ألف رياضي وإداري ومدرب ولاعب، فيما تعرضت البنية الرياضية لدمار غير مسبوق.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من الملاعب والصالات الرياضية والأندية والمنشآت المرتبطة بالنشاط الرياضي في القطاع تعرضت لأضرار كلية أو جزئية، ما جعل الرياضة الفلسطينية واحدة من أكثر القطاعات تضررا من الحرب.
ورغم هذا الواقع القاسي، لم يفقد الفلسطينيون شغفهم بكرة القدم. فاللعبة الأكثر شعبية في العالم ما زالت تشكل متنفسا للأجيال الشابة ووسيلة للهروب من أجواء الحرب والحصار.
ففي أصعب الأيام، يحرص الشباب على متابعة مباريات فرقهم ومنتخباتهم المفضلة، سواء في المقاهي أو عبر شاشات بسيطة داخل مراكز الإيواء والمنازل المتضررة.
كما لم تتوقف ممارسة كرة القدم رغم الدمار الهائل، إذ يواصل الأطفال والشبان اللعب في الأزقة والساحات الضيقة وبين أنقاض المنازل المهدمة، في مشهد يعكس تمسك الفلسطينيين بالحياة وقدرتهم على صناعة الأمل وسط الركام.
وفي وقت يحتفل العالم بالمونديال، تبقى كرة القدم بالنسبة للفلسطينيين أكثر من مجرد لعبة؛ بل مساحة للفرح والمقاومة والصمود في مواجهة واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم.