أعلنت عشرات المنظمات والمؤسسات اليهودية في الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية إطلاق حركة الشتات اليهودي (Jewish Diaspora Movement - JDM)، في خطوة تعكس تصاعد التحدي الداخلي للرواية الصهيونية التي ربطت لعقود بين الهوية اليهودية ودولة "إسرائيل".
وتضم الحركة الجديدة 46 منظمة يهودية مؤسسة، من بينها Jewish Voice for Peace وRabbis for Ceasefire وIfNotNow وAmerican Council for Judaism، وتطرح نفسها باعتبارها إطاراً لبناء حياة يهودية دينية وثقافية وأخلاقية مستقلة عن الدولة الإسرائيلية، ومبنية على قيم العدالة والتضامن وحقوق الإنسان. وتعرّف الحركة نفسها بأنها شبكة تسعى إلى تعزيز أشكال متنوعة من اليهودية وترفض فكرة أن اليهود بحاجة إلى "دولة إثنية عسكرية" أو إلى ثقافة منغلقة على ذاتها.
ورغم أن الحركة لا تعلن صراحة أنها تسعى إلى انتزاع تمثيل اليهود من الحركة الصهيونية، إلا أن جوهر مشروعها يقوم عملياً على استعادة ما يعتبره أعضاؤها تمثيلاً يهودياً اختطفته الصهيونية خلال القرن الماضي. فمنذ تأسيس "إسرائيل"، نجحت المؤسسات الصهيونية في تقديم نفسها بوصفها المتحدث باسم اليهود في العالم، وربطت بين دعم "إسرائيل" والهوية اليهودية ذاتها، بحيث أصبح انتقاد سياسات الدولة الإسرائيلية يُقدَّم غالباً باعتباره انتقاداً لليهود ككل.
أما الحركة الجديدة فتطرح تصوراً مختلفاً يقوم على الفصل بين اليهودية كدين وثقافة وتاريخ، وبين "إسرائيل" كمشروع سياسي ودولة قومية. ومن هذا المنطلق ترفض الادعاء بأن "إسرائيل" تمثل جميع اليهود أو أن ولاء اليهود حول العالم يجب أن يكون مرتبطاً بالدولة الإسرائيلية.
ويمثل صعود هذا التحالف مؤشراً على انتقال الخلاف بين الصهيونية ومعارضيها من مستوى النقاش الفكري إلى مستوى الصراع على الشرعية والتمثيل. فالسؤال المطروح اليوم داخل قطاعات متزايدة من المجتمعات اليهودية، خاصة بين الأجيال الشابة في الولايات المتحدة، لم يعد يقتصر على تأييد أو معارضة سياسات الحكومة الإسرائيلية، بل أصبح يتعلق بمن يملك حق الحديث باسم اليهود أنفسهم.
ولا توجد حتى الآن أرقام رسمية حول عدد الأفراد الذين تمثلهم حركة الشتات اليهودي الجديدة، إلا أن حجم المنظمات المؤسسة يشير إلى أن الحديث يدور عن مئات الآلاف من اليهود المنظمين، فضلاً عن مئات آلاف المتعاطفين والمتابعين المرتبطين بالشبكات والمنظمات المشاركة فيها. وتضم الحركة مؤسسات تعد من أبرز الأصوات اليهودية المعارضة للحرب الداعية إلى فصل الهوية اليهودية عن المشروع الصهيوني، ما يمنحها وزناً سياسياً وإعلامياً يتجاوز حجمها التنظيمي المباشر. مثل حركة اصوات يهودية من اجل السلام التي عدلت تسميتها القانونية مؤخرا لتضيف لها انها مناهضة للصهيونية واعلنت العام الحالي ان عضويتها الفاعلة بلغت 32 الف عضو معظمهم من الشباب.
وظهور هذا التحالف يعكس انتقال المعارضة اليهودية للصهيونية من حالة هامشية أو دفاعية إلى محاولة بناء مؤسسات تمثيلية موازية تنازع المنظمات الصهيونية حق التحدث باسم اليهود. فالمعركة الدائرة اليوم لم تعد حول سياسات حكومة "إسرائيل" فقط، بل حول السؤال الأعمق: من يمثل اليهود في الولايات المتحدة والعالم؟ ومن يملك حق تعريف اليهودية وهويتها السياسية في القرن الحادي والعشرين؟