تشهد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة انهيارا كبيرا نتيجة التراجع الواضح في مجمل عدد شاحنات الإغاثة الواردة للقطاع، ما يعيق عمل المؤسسات الإغاثية نتيجة تضييق الاحتلال على عمل المؤسسات الدولية ضمن سياسة هندسة تجويع تهدف لخلق أزمات إنسانية كبيرة لا تنفصل عن مخططات التهجير التي يلوح بها قادة الاحتلال مرارا وتكرارا.
فخلال خمسة أيام دخل قطاع غزة من شاحنات المساعدات 26 شاحنة فقط، توزعت على يوم الجمعة التي وردت لغزة 6 شاحنات مساعدات ويوم السبت سمح الاحتلال بدخول 9 شاحنات ويوم الأحد سمح الاحتلال بدخول 11 شاحنات مساعدات، وفي أيام العيد كانت عمليات الإدخال للشاحنات صفرية، وهي أرقام لا يمكن الحكم عليها حاليا بانتظار قراءة الأيام المقبلة وفق المسؤول بوزارة الاقتصاد د. محمد بربخ رغم تحذير المنظمات الدولية من اتساع رقعة المجاعة والانهيار الإنساني في غزة.
ولم يخفِ بربخ في حديثه لصحيفة "فلسطين" تخوفه من الأرقام السابقة لحركة شاحنات المساعدات الإغاثية بانتظار رصد حركة دخول الشاحنات خلال يونيو/ حزيران الجاري.
وتظهر معطيات حصلت عليها صحيفة "فلسطين" من وزارة الاقتصاد لحركة شاحنات المساعدات الإغاثية الواردة، أن شهر يناير/ كانون ثاني 2026 شهد إدخال 4295 شاحنة، ثم بدأ معدل الشاحنات الإغاثية الواردة بالانخفاض ففي فبراير/ شباط الماضي دخل غزة 2814 شاحنة.
وفي مارس/ آذار بلغ عدد الشاحنات الواردة 2545 شاحنة، وفي إبريل/ نيسان بلغ عدد الشاحنات 2189 شاحنة، وفي مايو/ أيار الماضي بلغ عدد الشاحنات 2399، وكلها وردت لغزة عبر حاجز زيكيم شمال غزة ومعبر كرم أبو سالم جنوب القطاع.
ووفق اتفاق وقف إطلاق النار الذي يقضي بإدخال 600 شاحنة يوميًا، يفترض أن يرد للقطاع نحو 45 ألف شاحنة مساعدات منذ بداية العام، إلا أن ما سجل من الشاحنات الواردة بلغ 14 ألفا و242 شاحنة، أي ثلث الكمية المتفق على إدخالها لغزة.
أرقام متطابقة
وعلى الأرض، تتطابق أرقام تراجع المساعدات مع المشهد الإنساني، ففي مخيم إيواء "ملعب فلسطين" بمدينة غزة الذي يضم نحو 400 عائلة، توقفت تكايا الطعام منذ شهرين التي كان يقدمها المطبخ العالمي.
يستعرض رامي الدلو وهو مندوب المخيم لصحيفة "فلسطين" الواقع داخل المخيم، لافتا، لوجود حالة من التذبذب وعدم الانتظام في تدفق المساعدات، في ظل عرقة الاحتلال للمساعدات.
وأشار الدلو إلى أن إحدى المؤسسات سلمت فيتامينات لأطفال المخيم قبل شهر بعد احتجاز دام لمدة عام وشهرين تقريبًا على المعبر، سمح الاحتلال بإدخالها عند اقتراب صلاحيتها من الانتهاء، ما جعل المؤسسة توزع ضعف الكمية التي يحتاجها الطفل.
وقال: "هناك ما لا يقل عن 80% من سكان المخيم يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات، فتوقف التكية يؤدي لصعوبة الوضع"، لافتا إلى أن المطبخ العالمي أوقف تزويد المخيم بثماني قدور من الطعام منذ أكثر من شهرين وسبق ذلك تخفيض الكمية إلى ستة قدور وأن البدائل من المؤسسات الأخرى غير منتظمة ما يربك المشهد الإغاثي داخل المخيم.
وهذا الأمر ينطبق على المياه الصالحة للشرب فإحدى المؤسسات التي كانت تزود المخيم بعشرة آلاف لتر مياه ثلاث مرات أسبوعيا، أبلغتهم أنها ستوقف توريد المياه للمخيم، ويبين الدلو أن موضوع انخفاض المساعدات ينسحب على التمويل وسحب التراخيص لعمل المؤسسات الدولية مما يؤثر بصورة كبيرة على مجمل المشهد الإنساني داخل مراكز الإيواء.
وفي مخيمات مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، تشتد صورة المعاناة التي يصفها محمود الشريف وهو مندوب مخيم "القادسية" بأنها "مجاعة صامتة".
ويقول الشريف لصحيفة "فلسطين": "الواقع صعب جدا والوضع سيءٍ للغاية حتى قبل تخفيض كميات شاحنات المساعدات الواردة لغزة، ربما الوضع كان خلال شهر رمضان جيد نوعا ما من حيث تقديم المساعدات للمخيم الذي يضم 150 عائلة، لكن من بعد رمضان لم يصلنا شيء ولا حتى قطعة خبز واحدة".
ويواجه المخيم صعوبات كبيرة في توفير مياه صالحة للشرب التي تصل بصعوبة مرة واحدة كل أسبوع، مما دفع الأهالي بشرب مياه "ميكروت"، وأضاف: "بصعوبة نستطيع توفير شاحنة مياه. منذ ساعات الصباح تواصلت مع العديد من المبادرين والمؤسسات لتوفير مياه شرب لكن لم يستجب أحد وأن جميع سكان المخيم يسألون أين مياه الشرب".
وإضافة للمياه توقفت تكية الطعام التي كان يعتمد عليها سكان المخيم بصورة كبيرة، ويتدافعون لأجل الحصول على حصتهم من الطعام يوميا، لافتا، إلى أن الأوضاع الحالية أصعب من أيام المجاعة.
ممر للهجرة
بدوره، أكد مدير عام مكلف للدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية في وزارة الاقتصاد د. محمد بربخ، أن هناك بداية تغيير في إستراتيجية العمل الإغاثي للمؤسسات الدولية للتضييق على الكميات المدخلة، لإعادة هندسة الوضع المعيشي في غزة والتضييق على السكان الذين فقدوا مصادر دخلهم، للتضيق عليهم ولخلق بيئة طاردة للحياة.
وقال بربخ لصحيفة "فلسطين": "عندما تسد كل مرافق الحياة الخدماتية والإيوائية يحاول الاحتلال بذلك فتح ممر للتهجير. ومن الملاحظ أن هناك انخفاض في سلسلة التوريد للعمل الإغاثي وهي سياسة ممنهجة ضمن عملية التضييق وإعادة منهجة العمل الإغاثي وعمل المؤسسات الدولية من خلال تقليل الكميات وكيفية الانفاق، والتي تهدف للدخول في ممر الهجرة الطوعية".
وعن أرقام الشاحنات الواردة للمساعدات الإنسانية ليومي الجمعة والسبت، رأى بربخ أنها لا تدلل على شيء لأن يوم السبت تكون المعابر مغلقة ويكون العمل فيها استثنائيا ولا يمكن للرقم المسجل بتسع شاحنات كمدلول على الانخفاض، ولا يمكن الأخذ أيضا بمعدل الشاحنات الواردة يوم الجمعة لأن المعابر تغلق مبكرا وأنه يجب الانتظار للأيام القادمة للحكم على المشهد.
وأكد وجود تضييق في جميع المجالات والاحتياجات المطلوبة وآلية التمويل، كمطالبة الاحتلال للمؤسسات الدولية بالكشف عن آلية التمويل وبيانات العاملين، محذرا من أن الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة على حافة الانهيار لأن السلة الغذائية التي كان يعتمد عليها قطاع غزة فقد، وأنها باتت تعتمد بصورة كاملة على الواردات، بالتالي فأي عملية تعطل ليوم واحد فإن الأوضاع الاقتصادية والإغاثية تضطرب ويربك الحسابات المعيشية والاقتصادي للإنسان الغزي.
ودخل الأمن الغذائي في قطاع غزة مستويات خطرة لعدم وجود انتاج محلي، ولفت بربخ إلى أن مجمل الإنتاج الزراعي في غزة حاليا لا يتجاوز 15% مما كان موجود سابقا، بعدما كانت غزة تحقق اكتفاء ذاتيا بمجال الخضراوات قبل الحرب واكتفاء بنسبة 50% بمجال الفواكه.
ولفت بربخ إلى أن الأسر في غزة تعتمد بصورة كاملة على المساعدات الإغاثية والمياه والتكايا بالتالي انخفاض هذه الوسائل سيحرم عشرات الآلاف من توفير طعامهم وشربهم.

