في خيام مهترئة ومنازل متصدعة، تقف آلاف الأمهات في قطاع غزة يوميًا أمام نار مشتعلة من البلاستيك والكرتون والخشب الرطب، في محاولة لإعداد وجبات الطعام لعائلاتهن، وسط أزمة خانقة في غاز الطهي تتفاقم يومًا بعد آخر.
ومع استمرار تقليص كميات الغاز الواردة إلى القطاع، لم تعد الأزمة مجرد نقص في سلعة أساسية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للصحة العامة والأمن الغذائي والبيئي، ودفع مئات آلاف الفلسطينيين إلى استخدام بدائل خطيرة تنبعث منها غازات سامة تهدد حياتهم، خصوصًا الأطفال وكبار السن.
وتأتي هذه الأزمة في ظل أوضاع إنسانية كارثية يعيشها سكان غزة بعد أكثر من عامين من الحرب والحصار، حيث أدى تقليص إدخال غاز الطهي إلى شلل واسع في حياة الأسر والنازحين، وفاقم معاناة المستشفيات والمخابز ومراكز الإيواء. وبينما تنتظر العائلات شهورًا للحصول على كميات محدودة من الغاز، يضطر السكان لإشعال النيران داخل الخيام والمنازل باستخدام النفايات، ما يتسبب بأمراض تنفسية واختناقات متكررة.
تأجيل دورات التوزيع ونقص حاد في الإمدادات
وأعلنت الهيئة العامة للبترول في قطاع غزة تأخر بدء الدورة العاشرة لتوزيع غاز الطهي، نتيجة عدم انتظام دخول الشاحنات خلال الأيام الماضية، إذ أُعيدت جميع الشاحنات خلال اليومين الأخيرين فارغة دون السماح بإدخال حمولتها إلى القطاع.
وأكدت الهيئة أن إجمالي ما دخل خلال الأسبوع الحالي لم يتجاوز سبع شاحنات فقط، وهي كميات “محدودة جدًا” لا تكفي لتغطية الاحتياج الفعلي للسكان.
وأوضحت أن هذا النقص الحاد أدى إلى تعثر استكمال الكشف الأخير من الدورة التاسعة، وتأجيل انطلاق الدورة العاشرة التي كان مقررًا أن تبدأ في 20 مايو/أيار الجاري، مشيرة إلى أنه في حال انتظام دخول الغاز فمن المتوقع بدء أول كشف من الدورة الجديدة بعد عطلة عيد الأضحى.
وأكدت الهيئة أنها تتابع ملف التوريد بشكل مستمر، معربة عن تفهمها لمعاناة المواطنين الذين ينتظرون منذ أشهر كميات محدودة لا تكفي سوى لأيام معدودة.
“نار البلاستيك” تطارد العائلات
في حي المشتل غرب مدينة غزة، يجلس محمد يونس مع أطفاله الستة داخل منزل متضرر، بينما يتصاعد الدخان الأسود من موقد بدائي صنعه من الحجارة وصفائح معدنية قديمة.
يقول يونس: “أخرج كل صباح للبحث في أكوام النفايات عن أي شيء يمكن أن يشتعل. أحيانًا أعود بلا شيء، فنمضي يومنا بلا طعام ساخن”. ويضيف: “لم نعد نفكر بالطعام نفسه، بل كيف سنطهوه”.
ويشير إلى أن تعبئة أسطوانة غاز باتت شبه مستحيلة بسبب الأسعار المرتفعة، إذ يصل سعر الكيلو في السوق السوداء إلى أكثر من 100 شيكل، وهو ما يفوق قدرة معظم الأسر.
ويحذر من مخاطر استخدام النيران المكشوفة داخل الأحياء المكتظة، قائلاً: “كل بيت هنا يشعل النار يوميًا، وأي شرارة قد تتحول إلى كارثة”.
خيام تحت الدخان
داخل أحد مخيمات الإيواء غرب غزة، تنحني خديجة السعافين فوق موقد بدائي، محاولة إعداد الطعام لأطفالها وسط دخان كثيف يملأ الخيمة.
تقول: “نعيش طوال اليوم وسط الدخان. عيوننا تحترق وأطفالنا يسعلون باستمرار، لكن لا بديل لدينا”.
وتضيف أن الحصول على غاز الطهي أصبح حلمًا بعيد المنال، فيما ارتفعت أسعار الحطب والبلاستيك بشكل كبير، ما دفع العائلات للبحث عن أي مواد قابلة للاشتعال داخل النفايات.
وتشير إلى أن الطهي أصبح معركة يومية محفوفة بالمخاطر الصحية، وسط انتشار الاختناق والدوار داخل الخيام.
اتهامات باستخدام الغاز كأداة عقاب
وقال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن أزمة غاز الطهي وصلت إلى مستويات “كارثية وغير مسبوقة”، نتيجة تقليص كميات الوقود والغاز الواردة إلى القطاع وعدم الالتزام بالبروتوكول الإنساني.
وأوضح أن غزة كانت تعاني أصلًا من عجز يقارب 70% من احتياجاتها اليومية، قبل أن يتفاقم الوضع مع تقليص الإمدادات بشكل أكبر، ما تسبب بأزمة خانقة طالت جميع مناحي الحياة.
وأضاف: “ما يجري هو استخدام غاز الطهي كأداة ضغط وعقاب جماعي بحق أكثر من مليوني فلسطيني”.
وأشار إلى أن الكميات التي يسمح بدخولها لا تتجاوز 30% من الاحتياج الفعلي، رغم أن البروتوكول الإنساني ينص على إدخال مئات الشاحنات من الوقود والمساعدات يوميًا.
وحذر من تداعيات استمرار الأزمة على المستشفيات والمخابز ومراكز الإيواء، إضافة إلى المخاطر الصحية الناتجة عن حرق البلاستيك والنفايات داخل المنازل والخيام.
وختم بالقول: “حرمان المدنيين من أبسط مقومات الحياة يمثل كارثة إنسانية تستدعي تدخلًا دوليًا عاجلًا”.