يواصل قطاع غزة الانزلاق نحو أزمة إنسانية واقتصادية خانقة، في ظل استمرار تداعيات الحرب وغياب الاستجابة الكافية للاحتياجات الأساسية، رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار.
وبين قيود إدخال المساعدات، وانهيار فرص العمل، وتدهور الخدمات الحيوية، تتسع رقعة المعاناة اليومية لمئات الآلاف من الأسر التي تكافح من أجل البقاء.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.9 مليون شخص، أي أكثر من 85% من سكان القطاع، تعرضوا للنزوح منذ بداية الحرب، في واحدة من أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث.
شلل شبه كامل
من جهته، قال رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين في قطاع غزة، سامي العمصي، إن الأوضاع المعيشية تزداد سوءًا في ظل استمرار القيود على إدخال المساعدات، موضحًا أن الكميات التي تدخل لا تزال “دون الحد الأدنى المطلوب”.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن عدد الشاحنات التي تدخل القطاع يوميًا لا يتجاوز 20% إلى 30% من المعدل الذي كان يدخل قبل الحرب، وهو ما يفسر النقص الحاد في المواد الأساسية.
وبيّن العمصي لصحيفة فلسطين” أن طبقة العمال هي الأكثر تضررًا، في ظل توقف شبه كامل لعجلة الاقتصاد، حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن البطالة في غزة تجاوزت 80% خلال عام 2026، فيما فقد أكثر من 200 ألف عامل مصدر دخلهم منذ بداية الحرب.
كما أشار إلى أن الانكماش الاقتصادي الحاد أدى إلى شلل شبه كامل في الأنشطة، إذ يقدّر البنك الدولي انكماش اقتصاد غزة بأكثر من 81%، وهو من أعلى معدلات الانكماش عالميًا.
وفيما يتعلق بفرص العمل المؤقتة، أوضح العمصي أن مئات العمال فقدوا وظائفهم في المؤسسات الإغاثية، بما في ذلك “المطبخ العالمي”، الذي سرّح نحو 500 عامل مؤخرًا ضمن تقليص عملياته.
وأضاف أن هذه التطورات دفعت بمعدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن أكثر من 90% من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر.
من جانبه، قال المختص الاقتصادي خالد أبو عامر إن الواقع الاقتصادي يتجه نحو “مرحلة انهيار طويل الأمد”، مشيرًا إلى أن المساعدات الحالية لا تصل بانتظام ولا تغطي الاحتياجات الأساسية.
وأوضح لـ"فلسطين” أن الأزمة لا تقتصر على الغذاء، حيث تحذر منظمة الصحة العالمية من أن نحو 55% من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة، مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وأشار إلى أن القطاع يحتاج بشكل عاجل إلى إدخال مواد الإعمار، خاصة أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى تضرر أو تدمير أكثر من 370 ألف وحدة سكنية، ما يعني أن مئات آلاف الأسر باتت بلا مأوى مناسب.
كما لفت إلى تفاقم أزمة الغذاء، حيث يؤكد برنامج الغذاء العالمي أن جميع سكان القطاع تقريبًا (أكثر من 2.2 مليون شخص) يعانون من مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود مئات الآلاف في مرحلة الطوارئ.
من جانبها، وصفت الأرملة أم خالد الدباغ حال الأسر في غزة بأنها بالغة الصعوبة، مشيرة إلى استشهاد زوجها وإصابة أحد أبنائها، ما جعلها تتحمل أعباء معيشية ثقيلة في ظل غياب الدخل.
وأكدت لـ“فلسطين” أن الحياة اليومية أصبحت صراعًا لتأمين الغذاء والعلاج، في ظل شحّ المساعدات وعدم كفايتها وتأخر توزيعها، ما يزيد من معاناة الأسر، معربة عن قلقها من تدهور الأوضاع مع اقتراب الصيف في ظل نقص المياه الصالحة للشرب وانتشار الأمراض.
كما قال المسن عبد الغفور النحال إن كبار السن والمرضى في قطاع غزة يعيشون معاناة يومية متزايدة، في ظل ضعف الدعم الإنساني وعدم انتظامه، ما يفاقم من صعوبة أوضاعهم المعيشية والصحية.
وأوضح لـ“فلسطين” أن هذه الفئة تعاني بشكل خاص من صعوبة الحصول على الغذاء والدواء والرعاية الطبية، في وقت تتراجع فيه الإمكانيات وتزداد الاحتياجات الأساسية، مشيرًا إلى أن الأوضاع الحالية تجعل الحياة اليومية أكثر قسوة مع مرور الوقت.
وبيّن أنه كان يعتمد في السابق على المساعدات الإنسانية وبعض التحويلات المحدودة من الشؤون الاجتماعية الفلسطينية، إلا أن هذه التحويلات توقفت قبل الحرب، ما أدى إلى فقدان مصدر مهم كان يساعده على تغطية جزء من احتياجاته الأساسية.