في أحد أروقة مجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، تتنقل الطفلة رفيف أبو سيدو (5 أعوام) بين الألم والانتظار، حاملة جسدًا صغيرًا أنهكته الالتهابات الحادة في المثانة، فيما يقف تعطل جهاز التصوير الوحيد المختص جنوب القطاع عائقًا أمام تشخيص حالتها وإنقاذ كليتيها من مزيد من التدهور.
ومنذ سبعة أشهر، تنتظر رفيف إجراء “صورة ملونة” تساعد الأطباء على تحديد سبب الالتهابات المتكررة التي تعاني منها، إلا أن الجهاز المطلوب للفحص لا يزال معطلًا، بينما تصطدم محاولات إصلاحه أو إدخال قطع غياره برفض الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما يؤكده عاملون في القطاع الصحي.
وتروي والدة الطفلة، جهان أبو سيدو، معاناة ابنتها اليومية بصوت مثقل بالعجز والخوف، قائلة إن الأطباء “لا يعرفون حتى اللحظة السبب الحقيقي وراء الالتهابات الشديدة”، رغم العلاجات المتكررة وكميات المضادات الحيوية التي تتناولها الطفلة بشكل مستمر.
وتوضح لصحيفة "فلسطين" أن ابنتها تعاني من ارتفاع دائم في درجات الحرارة يصل أحيانًا إلى 40 و41 درجة مئوية، إضافة إلى آلام حادة تدفعها للبكاء والصراخ لساعات طويلة، فيما تقضي الليل متنقلة إلى الحمام بصورة متكررة بسبب الالتهابات وكثرة التبول.
وتقول الأم إن رفيف لم تعد قادرة على ممارسة حياتها الطبيعية كأي طفلة في عمرها، إذ تعجز عن اللعب أو المشي لمسافات طويلة بسبب الإرهاق والآلام المستمرة في جانبي البطن، مضيفة أن كثرة المضادات الحيوية بدأت تؤثر على وظائف الكلى، بحسب ما أبلغها الأطباء.
وتتابع بحرقة: “في كل مرة أذهب فيها إلى المستشفى، يخبرونني أن الجهاز ما زال معطلًا.. لا نعرف متى سيتم إصلاحه، ونحن فقط ننتظر رحمة الله”.

ولا تقتصر المعاناة على الطفلة وحدها، بل تمتد إلى والدتها التي تحدثت عن ظروف صحية ونفسية قاسية رافقت رحلة العلاج الطويلة، مشيرة إلى أنها تعرضت للإجهاض في إحدى المرات أثناء نقل ابنتها إلى المستشفى، نتيجة الإجهاد والتنقل المتكرر، بينما كانت الطفلة في حالة صحية متدهورة.
من جهته، يقول أخصائي التصوير الطبي بالأشعة في مجمع ناصر الطبي، محمد أبو لوز، إن جهاز “الفلوروسكوبي” المسؤول عن إجراء هذا النوع من الصور التشخيصية معطل منذ نحو ثمانية أشهر، ما تسبب في أزمة حقيقية للمرضى جنوب قطاع غزة.
ويشير أبو لوز إلى أن الجهاز يخدم قرابة مليون مواطن في مناطق خانيونس والمواصي، خاصة بعد تكدس النازحين القادمين من رفح، مؤكدًا أن عشرات الحالات تصل يوميًا لإجراء هذا الفحص دون توفر أي إمكانية لتقديم الخدمة.
ويضيف لـ"فلسطين" أن أقسام الأشعة تعاني أصلًا من صعوبة صيانة الأجهزة وتوفير قطع الغيار، في ظل القيود المفروضة على إدخال المعدات الطبية إلى القطاع، موضحًا أن وزارة الصحة ومؤسسات طبية عدة خاطبت منظمات دولية، بينها منظمة الصحة العالمية، لإصلاح الجهاز أو إدخال مستلزمات صيانته، “لكن معظم الطلبات لم تلقَ استجابة، وغالبًا ما تصطدم بالرفض الإسرائيلي”.
ويحذر أبو لوز من أن استمرار تعطل الجهاز يعني تفاقم الحالات المرضية وتأخر التشخيص والعلاج، ما يهدد حياة كثير من المرضى، خصوصًا الأطفال الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة ودقيقة.
وفي ظل الانهيار المتواصل للقطاع الصحي في غزة، تبقى رفيف واحدة من مئات الحالات التي تواجه مصيرًا مجهولًا بين المرض ونقص الإمكانيات، بينما يتحول انتظار فحص طبي بسيط إلى معركة يومية مع الألم والخوف والوقت

