فلسطين أون لاين

على ركام الحرب.. مدرسة قرآنية في خانيونس تداوي الأرواح بالإيمان والأمل

...
جانب من حلقات القرآن الكريم
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة:

وسط آثار الدمار التي خلفتها الحرب في قطاع غزة، تحاول مدرسة “النور القرآنية” أن تفتح نافذة جديدة للحياة، عبر مشروع يهدف إلى ترميم الإنسان نفسيًا وروحيًا من خلال القرآن الكريم، بعد عامين ونصف العام من القتل والتشريد والتجويع والفقد.

في إحدى زوايا المدرسة، التي تتخذ من أحد مساجد خانيونس المدمر جزئيا تجلس فتيات صغيرات يحملن المصاحف، يتلون الآيات بأصوات هادئة تخترق ضجيج الحرب وثقل آثارها. كثيرات منهن فقدن منازلهن وأحباءهن، لكنهن وجدن في حلقات التحفيظ ملاذًا يمنحهن شيئًا من الطمأنينة التي افتقدنها.

WhatsApp Image 2026-05-22 at 7.09.10 PM (1).jpeg
 

الطالبة هداية الفرا، إحدى المنتسبات إلى المدرسة، تقول إن الحرب بددت حياتهم بالكامل بعدما دُمّر منزل عائلتها الذي استغرق بناؤه سنوات طويلة.

وتضيف بصوت يملؤه التأثر لصحيفة "فلسطين": “تشردنا في الخيام، لكن الحرب لم تستطع أن تقضي على أرواحنا، فلجأنا إلى القرآن لننهض من جديد ونلتقط أنفاسنا وسط هذه الحياة القاسية”.

وتتابع أن المدرسة القرآنية تحولت إلى مساحة للتنافس على حفظ القرآن وتلقي العلوم الشرعية، بعدما عاش الطلبة مشاهد الاستشهاد والنزوح وفقدان الأحبة.

وتشير إلى أن التمسك بكتاب الله منحهم قوة للاستمرار، قائلة: “وجدنا في القرآن ما نتشبث به لننهض من جديد ونواصل حياتنا رغم كل شيء”.

WhatsApp Image 2026-05-22 at 7.09.10 PM.jpeg
 

أما الطالبة رشا الفرا، البالغة من العمر 14 عامًا، فتروي جانبًا آخر من معاناة الأطفال خلال الحرب، بعدما تحولت حياتها من منزل واسع ومستقر إلى خيمة صغيرة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

وتقول رشا إنها التحقت بالمدرسة القرآنية برفقة والدتها، ليحفظا القرآن معًا ويتشاركا مواجهة آثار الحرب القاسية.

وتضيف لـ"فلسطين": “تنقلنا من التهجير إلى النزوح، ثم إلى الجوع والعطش، ولم نجد ملجأ سوى الله، لذلك جئنا إلى المدرسة القرآنية لنقترب أكثر من القرآن”.

ورغم صغر سنها، تؤكد رشا أن الحرب غيّرت الكثير في شخصيتها وأحلامها. فبعدما كانت تحلم بأن تصبح طبيبة تساعد أبناء شعبها، وجدت نفسها تكبر سريعًا تحت وطأة القصف والخوف والفقد، لكنها ما تزال متمسكة بالأمل وبحقها في مستقبل أفضل.

800 طالب وطالبة

من جانبه، يقول المشرف العام على مركز النور لتحفيظ القرآن وعلومه، رامي الشقرة، إن فكرة المدرسة جاءت في إطار محاولة التعافي من آثار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، عبر إعادة بناء الإنسان الفلسطيني نفسيًا وتربويًا.

ويوضح الشقرة لـ"فلسطين" أن المدرسة تأسست “على أنقاض ما دمّره الاحتلال”، بهدف مساعدة الأطفال والنساء وكبار السن على تجاوز الآثار النفسية والاجتماعية للحرب من خلال القرآن الكريم والبرامج التربوية.

ويشير إلى أن المركز يضم اليوم نحو 800 طالب وطالبة من مختلف الفئات العمرية، تبدأ من الأطفال الصغار وحتى كبار السن الذين تجاوز بعضهم الستين عامًا، ضمن برامج متخصصة تتناسب مع احتياجات كل فئة.

وبحسب الشقرة، فإن المدرسة لا تقتصر على تحفيظ القرآن فحسب، بل تشمل أيضًا برامج للدعم النفسي والتفريغ الانفعالي يشرف عليها مرشدون وأخصائيون نفسيون، في محاولة للتخفيف من الصدمات التي تعرض لها الأطفال خلال الحرب.

ويضيف أن البرامج التربوية داخل المدرسة تعتمد كذلك على القصص القرآنية وسير الصحابة والشخصيات التاريخية، بهدف تعزيز القيم والصمود لدى الطلبة، وإعادة ترميم “الإنسان الفلسطيني الذي أنهكته الحرب”.

ويعمل في المدرسة أكثر من 60 معلمًا ومحفظًا، ضمن خطة تعليمية متكاملة أُعدّت بعد انتهاء العدوان، بحسب الشقرة، الذي يرى أن التعافي الحقيقي في غزة يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل الحجر.

وفي وقت ما تزال فيه آثار الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية داخل القطاع، تبدو مدرسة “النور القرآنية” محاولة صغيرة لمواجهة الخراب الكبير، عبر منح مئات الطلبة مساحة آمنة يتشبثون فيها بالأمل والإيمان، بينما يحاولون استعادة حياتهم التي سلبتها الحرب.

المصدر / فلسطين أون لاين