فلسطين أون لاين

أكرم الفيومي.. طفل غزة الذي هزم البتر بشغف الرياضة وركوب الخيل

...
الطفل أكرم الفيومي
غزة/ إبراهيم أبو شعر:

على الرغم من أن حرب الإبادة في غزة سلبته يده وقدمه، فإنها لم تستطع انتزاع شغفه بالحياة والرياضة. بملامح طفولية لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمره، يقف أكرم شريف الفيومي متحديًا قسوة الإصابة والبتر، متمسكًا بالأمل والعزيمة، محاولًا أن يحوّل ألمه إلى حكاية صمود لا تنكسر.

وفي كل مرة يخرج فيها للعب أو يلتقي بأصدقائه، يبدو كأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الجسد قد يُنهك، لكن الروح قادرة دائمًا على المقاومة.

شغف لا ينطفئ

323.jpeg
 

أكرم، من سكان حي التفاح شرقي مدينة غزة، عُرف بين أصدقائه بحبه الكبير للرياضة والحركة. وكان يقضي ساعات طويلة في ممارسة رياضة “السكيت”، التي تعتمد على التوازن والرشاقة والقفز باستخدام أحذية مزودة بعجلات صغيرة، كما أحب ركوب الخيل وقضاء الوقت مع أقرانه في اللعب والمرح.

وبالنسبة لطفل في عمره، كانت الرياضة مساحة للحلم والانطلاق واكتشاف الذات، قبل أن تتحول فجأة إلى ذكرى مؤلمة بعدما غيّرت الحرب مسار حياته بالكامل.

وفي الثامن من أغسطس/ آب 2024، كان أكرم نازحًا مع عائلته داخل مدرسة عبد الفتاح حمود في شارع يافا شرقي غزة، هربًا من القصف المتواصل على الأحياء السكنية.

في ذلك اليوم، استعد للخروج مع أصدقائه لممارسة رياضته المفضلة، وكان يجهّز “السكوتر” الخاص به، قبل أن تباغت طائرات الاحتلال الإسرائيلي المدرسة بعدة صواريخ من دون أي إنذار مسبق.

وخلال لحظات، تحولت المدرسة التي احتمى بها النازحون إلى ساحة مجزرة دامية، أسفرت عن استشهاد 13 فلسطينيًا، بينهم أقارب لأكرم، فيما أُصيب هو بجروح بالغة غيّرت حياته إلى الأبد.

لحظات لا تُنسى

يستعيد والد أكرم تلك اللحظات بصوت مثقل بالألم، ويصفها بأنها من أقسى ما عاشه منذ اندلاع الحرب.

ويقول لصحيفة "فلسطين" إن رؤية نجله غارقًا في الدماء كانت فوق قدرة أي أب على الاحتمال، حتى إنه تمنى لو كانت الإصابة من نصيبه بدلًا من ابنه الصغير.

ويضيف أن إصابة أكرم لم تكن مجرد جرح جسدي، بل صدمة هزّت العائلة بأكملها وتركت أثرًا نفسيًا عميقًا لا يزال يرافقهم حتى اليوم.

وبعد عشرين يومًا من الإصابة، تمكنت منظمة الصحة العالمية من نقل أكرم إلى جنوب قطاع غزة بسبب خطورة حالته، في وقت كانت فيه مستشفيات شمال القطاع تعاني الاقتحامات والتدمير ونقص الإمكانات الطبية.

ووصل الطفل إلى المستشفى الأمريكي في دير البلح وقد فقد يده وقدمه، فيما حاول الأطباء إنقاذ ساقه المصابة، إلا أن التهتك الشديد حال دون ذلك، ليُتخذ قرار ببترها خشية الإصابة بالغرغرينا.

ولم تتوقف معاناة أكرم عند البتر، إذ استقرت شظايا في الرأس والصدر وأجزاء متفرقة من جسده، ما استدعى خضوعه لعدة عمليات جراحية معقدة.

وبعد شهر من العلاج، غادر المستشفى، لكن الأطباء أوصوا بإجراء عملية إضافية لمعالجة آثار الإصابة في ساقه، غير أن والده فضّل تأجيلها خشية انعكاسها سلبًا على حالته النفسية ومضاعفة أوجاعه.

غربة وعلاج ناقص

WhatsApp Image 2026-05-22 at 8.09.39 PM32.jpeg
 

لاحقًا، حصل أكرم على فرصة للسفر إلى مصر عبر منظمة الصحة العالمية، على أمل استكمال علاجه خارج قطاع غزة.

رافقته جدته، فيما بقي بعيدًا عن عائلته قرابة عام ونصف العام، لكن الرحلة التي كان يُفترض أن تكون بداية للتعافي تحولت إلى تجربة قاسية أخرى، إذ لم يتلقَّ سوى طرف صناعي لساقه لم يكن مناسبًا له، ولم يتمكن من التكيف معه أو استخدامه بصورة طبيعية، ما دفعه إلى تركه.

وخلال تلك الفترة، تدهورت حالته النفسية بسبب الغربة والابتعاد الطويل عن أسرته، فضلًا عن غياب العلاج الحقيقي الذي كان ينتظره.

ومع إعادة فتح معبر رفح خلال الفترة الأخيرة، قرر أكرم العودة إلى غزة بعدما سجّل اسمه ضمن كشوفات العائدين.

وقبل ثلاثة أسابيع فقط، عاد أخيرًا إلى عائلته التي استقبلته بفرح كبير بعد طول غياب، لكن ذلك لم يُنهِ معاناته، إذ لا يزال والده يبحث عن فرصة جديدة لعلاجه في الخارج، على أمل حصوله على رعاية طبية أفضل وأطراف صناعية ملائمة تساعده على استعادة جزء من حياته الطبيعية.

ورغم ضيق الحال، تكفل والد أكرم بتركيب طرف صناعي لابنه على نفقته الخاصة، إلا أن الطرف لم يعد مناسبًا بسبب تغيّر موضع البتر وقِصر الطرف الصناعي مقارنة بحجم الساق.

رسالة صمود

ويصف والد أكرم نجله بأنه طفل شجاع ومحب للحياة، لا يتوقف عن الحركة واللعب رغم كل ما تعرض له، مؤكدًا أن ابنه كان يحمل أحلامًا كبيرة، ويرى مستقبله في الرياضة والسفر والمشاركة في البطولات، لا في المستشفيات وغرف العمليات.

ويشير إلى أن أكرم وأمثاله من الأطفال المصابين يمثلون شاهدًا حيًا أمام العالم على ما تعرض له المدنيون خلال حرب الإبادة، فهم أطفال أبرياء كانوا يحلمون بحياة طبيعية، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة البتر والألم والنزوح.

ورغم كل شيء، لا يزال أكرم يبتسم. يعود إلى ممارسة الرياضة قدر استطاعته، يلتقي أصدقاءه، ويحاول تجاوز آثار الإصابة بثقة وإصرار.

وبالنسبة له، لم تعد الرياضة مجرد هواية، بل أصبحت وسيلته لمقاومة اليأس واستعادة ثقته بنفسه، ورسالة يؤكد من خلالها أن الحرب قد تسلب الكثير، لكنها لا تستطيع هزيمة إرادة طفل قرر أن يتمسك بالحياة

المصدر / فلسطين أون لاين