لم تقتصر الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة على القتل والدمار واستهداف المباني، بل امتدت لتنهش أرواح الأطفال والشباب، وتضرب النسيج الاجتماعي والنفسي الفلسطيني في عمقه.
وفي واحدة من أكثر الحكايات إيلامًا، تبرز مأساة الفتى "ع"(17 عامًا)، الذي تحوّل من ضحية اعتقال وتعذيب داخل سجون الاحتلال، إلى رهينة في قبضة مجموعات مشبوهة يشرف الاحتلال على إدارتها وتوجيهها، ليعيش اليوم صراعًا مريرًا بين ندم يطارده ورغبة ملحّة في العودة إلى حضن والدته ووطنه، وبين تهديد دائم بالقتل والتعذيب يمنعه من الهرب.
في خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، تعيش الحاجة "ف" (58 عامًا) فصول معاناة قاسية بعد استشهاد زوجها، برفقة ابنها الأصغر الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره. وتواجه العائلة ظروف نزوح مأساوية وفقرًا مدقعًا، دون أي مصدر دخل يعينها على مواصلة الحياة، فيما يضاعف غياب نجلها الأكبر "ع" من حجم الألم الذي ينهش قلب الأم المكلومة.
وتروي الحاجة "ف" لصحيفة "فلسطين": بدموع تختصر سنوات من القهر والخوف، أن مأساتها بدأت عندما اعتقلت قوات الاحتلال ابنها "ع" لأكثر من عام خلال الحرب على غزة، حيث تعرض، بحسب وصفها، لأصناف قاسية من التنكيل والتعذيب النفسي والجسدي.
وتقول الأم بصوت يختلط فيه الحزن بالقهر: "عاد "ع" من الاعتقال بنصف روح، يعاني حالة نفسية واجتماعية صعبة جدًا. كان يستيقظ من نومه مفزوعًا، يصرخ من شدة الخوف، وينام وعلامات الرعب لا تفارق وجهه. أصبح يفضل العزلة والجلوس وحيدًا طوال الوقت، غير قادر على الاندماج مع من حوله بسبب الصدمة النفسية التي عاشها داخل السجون".
وتضيف، وهي تقبض بيد مرتجفة على ثوبها: "الضربة الأقسى كانت عندما وقع "ع"، وهو في تلك الحالة الهشة، في شباك عصابات مشبوهة استدرجت شبابًا أنهكتهم الحرب واليأس".
وتوضح الحاجة "ف" أن ابنها تمكن من التواصل معها عبر مكالمات هاتفية متقطعة، كانت مليئة بالخوف والندم، مؤكدة أن "ع" كان يكرر في كل مرة رغبته الشديدة في العودة إلى أحضانها والعيش بسلام بين أهله وشعبه، لكنه كان يهمس بخوف بأنه مهدد بالقتل والتعذيب إذا حاول الانسحاب أو الهرب من تلك المجموعات.
وتنقل الأم عن ابنها تفاصيل وصفتها بـ"المرعبة"، إذ أكد لها أن تلك العصابات تتلقى، بحسب روايته، إشرافًا مباشرًا وتمويلًا وتدريبًا من جيش الاحتلال الإسرائيلي، مضيفًا أن المنضمين إليها يخضعون لتدريبات على تنفيذ الاعتقالات الميدانية وأعمال القتل بحق الفلسطينيين.
وأضافت نقلًا عن "ع" أن "كثيرًا من الشباب داخل تلك المجموعات يعيشون حالة ندم مشابهة، ويتمنون العودة إلى عائلاتهم، لكنهم يخشون بطش قادة العصابات والرقابة المشددة المفروضة عليهم".
وتختتم الحاجة "ف" حديثها بمناشدة مؤثرة للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية والإنسانية، للتحرك العاجل والآمن من أجل إنقاذ نجلها القاصر، وتأمين عودته سالمًا إلى عائلته، قبل أن "تسبقه رصاصات الغدر"، وفق تعبيرها.
وتقول الأم المنهكة: "الخوف على "ع" يمنعني حتى من التوجه لأي جهة بشكل مباشر، خشية أن يصلهم الأمر فيقتلوه فورًا. لم أجد سوى صحيفة فلسطين لأطلق عبرها صرختي الأخيرة إلى العالم".

