في الوقت الذي تتفاقم فيه المجاعة وتتسع دائرة الانهيار الصحي والإنساني في قطاع غزة، جاء قرار ما تُسمى المحكمة العليا الإسرائيلية بتأييد حظر عمل عددٍ من المنظمات العاملة في المجال الاغاثي، ليضيف فصلاً جديداً من المعاناة للفلسطينيين المحاصرين.
ويأتي القرار في ظل استمرار الحرب والحصار المفروض على قطاع غزة، حيث تعتمد مئات آلاف العائلات بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المؤسسات الدولية، الأمر الذي دفع خبراء قانونيين وحقوقيين إلى اعتبار القرار الإسرائيلي "غطاءً قضائياً" لسياسة تجويع ممنهجة بحق المدنيين الفلسطينيين.
ورفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماساً تقدمت به 37 منظمة دولية غير حكومية طالبت بتعليق قرار حكومي يمنعها من العمل في غزة والضفة الغربية، بينما منحت المحكمة تلك المؤسسات مهلة ثلاثين يوماً للامتثال لإجراءات إسرائيلية جديدة تتضمن تسليم قوائم بأسماء الموظفين الفلسطينيين العاملين لديها، أو وقف عملياتها بشكل كامل.
وشمل القرار منظمات إنسانية دولية بارزة، بينها أطباء بلا حدود وأوكسفام والمجلس النرويجي للاجئين وكير، والتي كانت تقدم خدمات طبية وغذائية وإغاثية حيوية لعشرات آلاف الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
تجفيف المساعدات
يقول عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الاهلية الفلسطينية محسن أبو رمضان، إن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة بحق منظمات الإغاثة الدولية تأتي في سياق "حرب الإبادة الجماعية" التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، وتهدف إلى تجفيف الموارد المالية للمؤسسات الإنسانية وتقليص قدرتها على تقديم المساعدات الضرورية للفلسطينيين في ظل الحصار والعدوان المستمر.
وأوضح أبو رمضان لـصحيفة "فلسطين": أن هذه السياسات ستؤثر بشكل مباشر على حجم المساعدات الغذائية والطبية والإيوائية المقدمة لسكان القطاع، مشيراً إلى أن عدداً من المنظمات المتضررة توجه بالفعل إلى المحكمة الإسرائيلية لمحاولة تجميد القرار.
وأضاف أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات إلى فرض قيود أمنية وسياسية على عمل المؤسسات الإنسانية، مشيراً إلى أن العديد من المنظمات الدولية رفضت شروط الاحتلال المتعلقة بتسليم قوائم بأسماء الموظفين الفلسطينيين العاملين لديها.
كما حذر من أن منح محكمة الاحتلال الضوء الأخضر للحكومة لفرض مزيد من القيود سيدفع المؤسسات الإنسانية للتوجه نحو محكمة العدل الدولية باعتبار هذه الإجراءات جريمة حرب وانتهاكاً لمنظومة العمل الإنساني الدولية.
وأكد أن (إسرائيل) تحاول تحويل المنظمات الدولية إلى أدوات خاضعة لرقابتها، بما يسمح لها بالتحكم في تدفق المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين، داعياً المؤسسات الحقوقية الدولية إلى التحرك في المحاكم والهيئات الدولية لفضح ممارسات الاحتلال.
تهجير الفلسطينيين
من جانبه، قال المختص في الشأن السياسي نهاد أبو غوش، إن (إسرائيل) لا تخفي أهدافها المتعلقة بتهجير الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن حظر عمل منظمات الإغاثة يأتي ضمن سلسلة سياسات تهدف إلى جعل الحياة في الأراضي الفلسطينية "غير قابلة للاستمرار".
وأوضح أبو غوش لـ"فلسطين"، أن الاحتلال يسعى لخنق الفلسطينيين وعزلهم عن العالم، من خلال التضييق على عمل المؤسسات الدولية وفرض شروط "تعجيزية"، مضيفاً أن (إسرائيل) تريد قطع أي صلة سياسية وإنسانية بين الشعب الفلسطيني والمنظمات الدولية، حتى تصبح الهجرة "الخيار الوحيد" أمام السكان.
وأكد أن للقرار بعداً آخر يتمثل في محاولة تغييب الشهود الدوليين ومنع توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن كثيراً من الإدانات التي صدرت بحق (إسرائيل) في المؤسسات الدولية استندت إلى تقارير وشهادات موثقة قدمتها منظمات دولية عاملة في الأراضي الفلسطينية.
وأضاف أن فروع المنظمات الدولية كانت تشكل شاهداً مباشراً على ما يجري في غزة والضفة الغربية، سواء فيما يتعلق بالمجاعة أو الأوبئة أو انهيار التعليم والخدمات الصحية، معتبراً أن (إسرائيل) تريد إسكات هذه الشهادات ومنع وصول الحقيقة إلى العالم.
وأشار أبو غوش إلى أن اشتراط (إسرائيل) الحصول على معلومات تفصيلية عن الموظفين الفلسطينيين والتحكم في نشاط المؤسسات الإنسانية يهدف إلى تحويل هذه المنظمات إلى أدوات خاضعة للرقابة الإسرائيلية، داعياً إلى رفض هذه السياسات وعدم الانصياع لها.
خرق للقانون الدولي
إلى ذلك، أكد أستاذ القانون الدولي الدكتور محمد مهران، أن ما أقدمت عليه المحكمة العليا الإسرائيلية يمثل "انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني"، مشيراً إلى أن القرار يحول المحكمة إلى "أداة قانونية" لتكريس سياسة التجويع والحصار ضد المدنيين الفلسطينيين.
وأوضح مهران لـ"فلسطين"، أن المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم أطراف النزاع بالسماح بحرية مرور الإمدادات الطبية والغذائية والمواد الأساسية المخصصة للمدنيين، فيما تؤكد المادة 55 من الاتفاقية نفسها مسؤولية دولة الاحتلال عن توفير الاحتياجات الغذائية والطبية للسكان الواقعين تحت الاحتلال.
وبيّن أن منع منظمات الإغاثة الدولية من العمل في غزة والضفة الغربية يمثل خرقاً مباشراً لهذه الالتزامات القانونية، خاصة في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها القطاع منذ أكتوبر 2023.
وحذر مهران من أن وقف عمل المؤسسات الدولية سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، خصوصاً بين الأطفال والمرضى والنساء الحوامل وكبار السن، مؤكداً أن غزة تعيش بالفعل حالة "مجاعة كارثية" نتيجة استمرار الحصار ومنع دخول الإمدادات الأساسية.
واعتبر أن اشتراط (إسرائيل) تسليم قوائم بأسماء الموظفين الفلسطينيين العاملين في تلك المؤسسات يثير مخاوف أمنية وحقوقية كبيرة، وقد يدفع العديد من المنظمات إلى تعليق عملها خشية تعرض موظفيها للملاحقة أو الاستهداف

