قائمة الموقع

إخلاص الغمري.. نجت من الموت وفقدت زوجها وطفلتها تحت أنقاض منزلها

2026-05-21T15:34:00+03:00
قصف الاحتلال الإسرائيلي على غزة (أرشيفية)
فلسطين أون لاين

في منزلٍ بسيط شرق مدينة دير البلح، كانت إخلاص الغمري (29 عامًا) تحاول أن تصنع حياة آمنة لطفلاتها الثلاث، رغم الحرب التي كانت تلتهم كل شيء من حولها. لم تكن تحلم بأكثر من بقاء منزلها صامدًا، وأن يبقى زوجها إلى جوارها، وأن تنام صغيراتها دون خوف. لكن في الثاني من أبريل/نيسان 2024، تبدلت حياتها بالكامل في لحظة واحدة، حين استهدف القصف الإسرائيلي منزل العائلة مباشرة، محولًا أفرادها إلى ضحايا تحت الركام والدخان.
تستعيد إخلاص تلك اللحظات بصوتٍ مثقل بالألم، وكأنها ما تزال عالقة تحت الأنقاض حتى اليوم، وتقول لصحيفة "فلسطين": "فجأة تحولت الدنيا إلى غبار، لم أعد أشعر بشيء، ولم أستطع أن أطمئن على من حولي أو أعرف إن كانوا أحياء أم استشهدوا".
لم يكن هناك وقت للفهم أو النجاة، فالانفجار كان أسرع من قدرتها على الصراخ، وأقسى من كل احتمالات النجاة التي كانت تتشبث بها. أصيبت إخلاص بجروح بالغة، فيما استشهد زوجها على الفور، وأصيبت طفلتها البالغة من العمر خمس سنوات إصابة خطيرة، دون أن تدرك الأم حينها حجم الكارثة التي حلّت بعائلتها.
نُقلت إخلاص إلى المستشفى وهي في حالة حرجة، فاقدة للوعي، بينما كان جسدها ينهار تحت النزيف والشظايا. وانخفض مستوى الدم في جسدها إلى حد خطير، وكانت يدها اليسرى قد بُترت بالكامل، فيما تعرضت قدمها اليمنى لتمزق شديد بسبب شظية كبيرة لم تُبقِ منها سوى العظم والشريان، إضافة إلى عشرات الشظايا التي مزقت أنحاء جسدها وأثقلت ملامحها بالألم.
وتقول: "دخلت في غيبوبة، ولم أتمكن حتى من وداع زوجي. كنت أعتقد أنه مصاب فقط أو حالته خطيرة، لأنه كان بجانبي لحظة القصف".
وبين غرف العمليات والعناية المكثفة، خاضت إخلاص معركة طويلة للبقاء. فعلى مدار 48 يومًا قضتها في المستشفى، خضعت لما يقارب ثلاثين عملية جراحية، بعضها كان يُجرى بشكل يومي، قبل أن تتباعد المواعيد لاحقًا بسبب تعقيدات وضعها الصحي.
وحين استعادت وعيها بعد إحدى العمليات، لم يكن أول ما سألت عنه يدها المبتورة أو جسدها المنهك، بل طفلاتها. كانت تبحث عن أصواتهن ووجوههن، وعن طفلتها الصغيرة التي اختفت فجأة من حياتها.
وتروي بحزن بالغ: "كنت أسأل عن وضعي وعن بناتي، وكانوا يطمئنونني دون تفاصيل، لكنني بعد أيام سألت عن طفلتي تحديدًا، وألححت كثيرًا، وصرت أصرخ لأن الخوف كان يأكل قلبي… حينها فقط أخبروني أنها استشهدت متأثرة بإصابتها".
تصمت إخلاص للحظات، وكأن الكلمات تخونها أمام حجم الفقد. فلم يكن رحيل زوجها وحده كافيًا، بل خُطفت منها طفلتها أيضًا، بينما كانت عاجزة عن احتضانها أو توديعها للمرة الأخيرة.
خرجت من المستشفى قبل استكمال علاجها، ليس لأنها تعافت، بل لأن المستشفيات المنهكة بالحرب لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الجرحى. عادت إلى منزلها بجسد مثقل بالألم، وبحاجة دائمة للرعاية والعلاج، ليتولى شقيقها الأصغر مهمة مساعدتها في تغيير الضمادات والعناية بجروحها المفتوحة.
ورغم العمليات العديدة، لم تنتهِ معاناتها بعد، إذ حصلت على تحويلة علاجية لإجراء عملية بتر جديدة في يدها، لأن العملية الأولى كانت تهدف فقط إلى إنقاذ حياتها. وحتى اليوم، ما تزال تعاني من آلام مستمرة وانتفاخات مفاجئة في جسدها نتيجة احتباس السوائل، دون معرفة واضحة لأسبابها.
وتتابع بصوت يختلط فيه التعب بالخوف: "أعيش مرحلة مجهولة، لا أعرف متى تنتهي، أريد فقط أن أتعافى لأتمكن من رعاية طفلتيّ".
لم تعد إخلاص تفكر كثيرًا بنفسها، بقدر ما تفكر بمستقبل طفلتيها اللتين بقيتا معها بعد الحرب. فهي بحاجة إلى طرف صناعي يساعدها على أداء أبسط المهام اليومية، كما تحتاج إلى مصدر دخل يعينها على مواجهة أعباء الحياة، خاصة أن زوجها، الذي كان يعمل مزارعًا، فقد مصدر رزقه منذ بداية الحرب، ورحل دون أن يترك للعائلة أي مورد مالي.
وبين الألم الجسدي والفقد النفسي، تحاول إخلاص أن تتماسك أمام طفلتيها، رغم اعترافها بأنها تعيش حالة نفسية مرهقة. ومع ذلك، لا تزال تتمسك بخيط رفيع من الأمل، بأن ينتهي هذا المجهول يومًا، وأن تتمكن من الوقوف مجددًا واستعادة ما تبقى من حياتها.

اخبار ذات صلة