لم تكن الطفلة أسماء سويدان، ذات الأعوام الثمانية تعرف أن مساء السابع من يونيو/حزيران 2024 سيقسم حياتها إلى نصفين؛ نصفٍ كانت فيه طفلة تركض خلف ألعابها الصغيرة، تكتب بيديها الصغيرتين، وتتشبث بثوب والدتها كلما خافت من أصوات القصف، ونصفٍ آخر استيقظت فيه على الألم، والجبائر، والخوف المزروع في ذاكرتها حتى هذا اليوم.
في ذلك اليوم، كانت أسماء تجلس مع والدتها وإخوتها داخل غرفة واحدة في منزلهم، يحاولون الاحتماء ببعضهم من أصوات الحرب التي لم تعد تفارق غزة. لم يكن في المكان سوى الصمت الثقيل وقلق الأمهات المعتاد، إلى أن شقّ صاروخ إسرائيلي السماء واستهدف الطابق العلوي مباشرة.
وخلال لحظة واحدة، تحول البيت إلى كومة من الركام والغبار والصراخ، تقول والدتها لصحيفة "فلسطين" بصوت يختلط فيه الألم: "كنت معها في تلك اللحظة، ولما شفتها تحت الركام والدمار ما حسّيت بإصابتي ولا انتبهت لوجعي… كل اللي كنت أفكر فيه إني أطلعها قبل ما توصل سيارات الإسعاف".
أصيبت العائلة كلها، لكن أسماء كانت الحالة الأخطر بينهم، كانت يداها الصغيرتان شبه مدمرتين، ووجهها امتلأ بالحروق والجروح، فيما أصيبت والدتها برضوض شديدة في ظهرها، وبينما كان المسعفون يحاولون إنقاذ الأرواح وسط الفوضى، كانت أسماء تغيب شيئًا فشيئًا عن وعيها تحت ثقل النزيف والخوف.
وفي المستشفى، وقف الأطباء أمام حالة معقدة لطفلة لم تكمل طفولتها بعد، كان القرار الأول هو بتر يديها لإنقاذ حياتها، لكن أحد الأطباء رفض الاستسلام سريعًا، وقرر خوض محاولة أخيرة لإنقاذهما.
تروي والدتها تلك اللحظات قائلة: "الأطباء حكوا بالبداية إن الحل بتر اليدين، لكن دكتور قرر يجرب ينقذهم… عملوا تربيط للأنسجة والأوردة، وقصّوا من عظم اليد، وركبوا بلاتين في اليدين الاثنتين".
فلم تكن الجراحة وحدها هي المعركة، فالحروق التي غطت وجه أسماء تركت تشوهات قاسية، بينما الألم النفسي كان أشد فتكًا من الجروح الظاهرة.
وقد مكثت أسماء شهرًا كاملًا بين المستشفيات والأقسام الطبية، تتنقل من غرفة إلى أخرى، بينما كانت والدتها تراقب طفلتها بصمتٍ عاجز.
وتضيف الأم بحرقة: "12 يوم ما نامت بالمرة… وما سمعنا صوتها، كانت ساكتة بشكل مخيف، كأن الصدمة أخذت منها الكلام".
فخضعت أسماء لاحقًا لجلسات دعم نفسي حتى استعادت قدرتها على الكلام تدريجيًا، لكن الخوف بقي حبيسًا داخلها. حتى اليوم، ما إن ترى الدم على أحد حتى تبدأ بالصراخ الهستيري دون توقف، وكأن ذاكرتها تعود بها إلى لحظة الركام الأولى.
ورغم مرور أشهر على إصابتها، لا تزال الطفلة عاجزة عن استخدام يديها بشكل طبيعي، الكتابة أصبحت مهمة مؤلمة، وتناول الطعام بمفردها صار تحديًا يوميًا يحتاج إلى مساعدة مستمرة، أما فصل الشتاء، فكان قاسيًا بشكل خاص على يدها اليمنى.
تتابع والدتها حديثها: "ولا أي مسكن كان يخفف وجع كف يدها… كانت تبكي من البرد والألم طول الليل".
ولم تنتهِ المعاناة عند هذا الحد، بعد أسبوع فقط من الإصابة، اكتشفت والدتها جرحًا غائرًا في رأس أسماء، كان ممتلئًا بالغبار والردم دون أن ينتبه إليه أحد وسط كثرة الإصابات، وعندما فحصه الأطباء، أخبروها أن اللحم بدأ ينمو فوق الجرح بطريقة خاطئة، وأنها تحتاج إلى جلسات ليزر عاجلة لتنظيفه وتجميله، لكن تلك التقنية لم تعد متوفرة في قطاع غزة، في ظل الانهيار الصحي والحصار الخانق.
اليوم، لا تزال أسماء تنتظر فرصة علاج حقيقية؛ فرصة تعيد لطفلة صغيرة القدرة على استخدام يديها دون ألم، وأن تنام ليلة كاملة دون كوابيس الحرب.
ورغم كل ما حدث، لا تزال والدتها تتمسك بخيط أمل رفيع، وتختم حديثها: "نفسي ترجع بنتي تعيش زي أي طفلة… تلعب وتكتب وتضحك بدون خوف أو وجع"، فأسماء نجت من الموت تحت الركام ولكنها لا تزال تحاول أن تتعلم كيف تعيش طفولتها بذاكرة أثقلتها الحرب والوجع.