في وقت تتواصل فيه الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة، ويواجه السكان أوضاعًا إنسانية كارثية بفعل الحصار والدمار ونقص الغذاء والدواء، أثار التقرير الصادر عن مجلس السلام في غزة جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية، بعدما حمّل المقاومة مسؤولية تعثر تنفيذ المراحل اللاحقة من اتفاق وقف إطلاق النار، متجاهلًا – وفق مراقبين – الخروقات الإسرائيلية المستمرة وعدم الالتزام ببنود الاتفاق الأساسية.
التقرير أشار إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار "صمد" لمدة سبعة أشهر رغم التحديات والانتهاكات، واعتبر أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ارتفع بنسبة 70% منذ بدء الهدنة، فيما وصف رفض المقاومة نزع سلاحها بأنه "العقبة الرئيسية" أمام تنفيذ الخطة الشاملة المتعلقة بمستقبل القطاع.
ووفق محللين سياسيين، فإن التقرير يعكس انحيازًا واضحًا للرواية الإسرائيلية، ويمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا لمواصلة الضغط على الفلسطينيين، في وقت تتهم فيه أطراف فلسطينية بعض الوسطاء الدوليين بتبني مقاربة غير متوازنة تجاه ما يجري في غزة.
تبني للرؤية الإسرائيلية
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد نعيرات، أن التقرير لا يمكن اعتباره محايداً أو منصفاً، لأنه يتجاهل طبيعة ما يجري على الأرض في غزة، قائلاً إن ما يسمى "وقف إطلاق النار" لم يكن وقفاً حقيقياً، بل مجرد "تخفيض متفاوت لوتيرة العنف"، في ظل استمرار عمليات القتل والاستهداف الإسرائيلي.
وأوضح نعيرات لصحيفة "فلسطين"، أن القطاع شهد خلال الأشهر الماضية عشرات الأحداث الدامية التي ارتقى فيها أكثر من عشرة شهداء في اليوم الواحد، ما يؤكد – بحسب وصفه – أن الاحتلال لم يلتزم فعلياً ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق، سواء المتعلقة بوقف العمليات العسكرية أو إدخال المساعدات أو الانسحاب من المناطق التي أعاد احتلالها داخل القطاع.
وأضاف أن الحديث عن "تحسن" في دخول المساعدات الإنسانية لا يعكس الواقع، لأن ما جرى لا يتعدى كونه جزءاً من التزامات كان يفترض بـ(إسرائيل) تنفيذها منذ البداية، مشيراً إلى أن الاحتلال "لم يلتزم بالاتفاق أصلاً، بل لا يريد تطبيقه بأي شكل".
وانتقد نعيرات ما وصفه بتجاهل التقرير للاغتيالات والانتهاكات اليومية، معتبراً أن تصريحات المسؤولين المرتبطين بالمجلس، ومن بينهم نيكولاي ملادينوف، تمنح (إسرائيل) غطاءً سياسياً للمرحلة المقبلة، وتشرعن استمرار الضغوط على الفلسطينيين وحدهم.
وأشار إلى أن التقرير لم يتطرق إلى سيطرة (إسرائيل) على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، ولا إلى تصريحات رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن استمرار حصار المقاومة، متسائلاً: "كيف يمكن لتقرير يدّعي الحياد أن يتجاهل كل هذه الوقائع ويحمل طرفاً واحداً المسؤولية؟".
وأكد نعيرات أن استمرار الضغوط على الطرف الفلسطيني فقط "لن يقود إلى تهدئة أو حل سياسي"، بل يعكس – وفق تقديره – تبنياً كاملاً للرؤية الإسرائيلية من قبل بعض الوسطاء والجهات الدولية.
أداة سياسية
من جهته، اعتبر مدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية، سليمان بشارات، أن التقرير أُعد ليكون "أداة سياسية" تخدم التوجهات الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.
وقال بشارات لـ "فلسطين"، إن المجلس جرى تقديمه كمرجعية سياسية تسعى كل من الولايات المتحدة و(إسرائيل) من خلالها إلى إعادة تشكيل واقع غزة بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية، معتبراً أن التقرير يكرر الرواية الإسرائيلية التي تعتبر سلاح المقاومة العقبة الأساسية أمام أي تقدم سياسي.
وأوضح أن التقرير تجاهل بشكل واضح عدم التزام (إسرائيل) بالعديد من البنود الأساسية في الاتفاق، بما في ذلك منع اللجنة الإدارية الخاصة بإدارة غزة من دخول القطاع ومباشرة عملها، رغم أن تشكيل هذه اللجنة كان جزءاً من التفاهمات المطروحة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تحاول – وفق رأيه – الالتفاف على الضغوط الدولية المتزايدة على (إسرائيل)، عبر تقديم صورة "مخففة" عن الانتهاكات الإسرائيلية وتحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية الأساسية عن تعثر الاتفاق.
وأشار بشارات إلى أن العديد من تقارير المؤسسات الدولية والحقوقية تؤكد أن (إسرائيل) هي الطرف الذي يخرق التفاهمات بصورة مستمرة، معتبراً أن التقرير الحالي يمنح الاحتلال مبررات إضافية لمواصلة عملياته العسكرية أو تصعيدها مستقبلاً.
كما أبدى تشكيكه بالأرقام الواردة في التقرير بشأن حجم المساعدات الإنسانية، قائلاً إن ملف الإعمار والمساعدات تحوّل إلى "أداة ابتزاز وضغط سياسي" ضد الفلسطينيين، بدلاً من أن يكون استحقاقاً إنسانياً ملزماً للمجتمع الدولي.
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر حول تقرير "مجلس السلام" يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الوساطة الدولية في ملف غزة، حيث تتزايد الاتهامات بانحياز بعض الأطراف الدولية للرؤية الإسرائيلية، في مقابل تراجع الاهتمام الدولي بحجم الكارثة الإنسانية المتواصلة في القطاع.
وفي ظل استمرار الحصار، وتدهور الأوضاع الإنسانية، وتصاعد الانتقادات الفلسطينية لأداء الوسطاء، تبدو فرص الانتقال إلى أي مرحلة سياسية جديدة مرتبطة بمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض التزامات متوازنة على جميع الأطراف، وليس الاكتفاء بممارسة الضغوط على الفلسطينيين وحدهم

