بعد ما يقرب من مضي عام على ما سُميَّتْ "تهدئة" مبنية على خطة ترامب للسلام، لا تزال غزة واقفة في مربع الكارثة الإنسانية ذاته، وما زال أغلب سكان القطاع لا يجدون مأوى آمناً، ولا يزال الركام يملأ كل زاوية في غزة.
وعلى الرغم من التزام الفصائل الفلسطينية بتطبيق بنود الاتفاق وتسليم كل الأسرى الصهاينة؛ الأحياء منهم والأموات، لم تلتزم "إسرائيل" بأي من بنود الاتفاق، بل أصبحت خروقاتها باستهداف المواطنين في غزة روتيناً يومياً، دون أي رادع في ظل غطاء من أمريكا التي كان من المفترض أن يكون رئيسها هو الضامن للاتفاق، والذي سوّق للعالم أن خطته ستحول غزة من الدمار إلى الرفاه والنمو، لكن النتيجة لم تكن سوى مجرد استعراض يحاول من خلاله ترامب تمثيل دور رجل السلام.
يستمر العدو في اختلاق الذرائع لاستمرار بطشه والتنصل من التزاماته؛ فقبل توقيع الاتفاق الأخير كان يربط إدخال المساعدات اللازمة لإنعاش القطاع، وأدوات إزالة الركام وإعادة الإعمار بتسليم الأسرى، والآن بعد تسليم كل الأسرى الصهاينة، عاد لاستهداف المواطنين في غزة متذرعاً بضرورة تسليم كامل السلاح، على الرغم من أن ملف السلاح كان ضمن ملفات المرحلة الثانية، في الوقت نفسه الذي يزود فيه الميليشيات العميلة بالسلاح، كل ذلك دون أن يلتزم العدو بأي من بنود المرحلة الأولى.
في ظل هذه الظروف، فإن محاولة استشراف مستقبل قطاع غزة تظهر أن المشهد لا يتجه نحو حسم جذري (سياسي أو عسكري)، بل إلى حالة من "الصراع المُدار". هذا الواقع الذي تسعى أمريكا وإسرائيل لترسيخه يدمج بين السعي الأمريكي لتسويق واجهة سلام تخدم مصالحها الاستراتيجية من خلال ما يعرف بـ "مجلس السلام"، واستمرار سلوك "إسرائيل" الغاشم بالاستهداف والبطش والتضييق على أبناء شعبنا.
إن مستقبل غزة السياسي والأمني يتحدد عبر ركيزتين:
أولاً: الوضع السياسي.. اللجنة الإدارية والغطرسة الصهيونية:
إن إسرائيل لا تريد تمكين أي جسم يمكن أن يشكل حالة نمو واستقرار لغزة، بل تريد أن تبقى غزة في حالة استنزاف، ولكن دون الوصول إلى حالة مجاعة تثير تحركاً دولياً.
لذلك، ستبقى اللجنة الإدارية التابعة لـ "مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب مجرد واجهة تسويقية تخدم الأداة الدبلوماسية الأمريكية؛ دورها الحقيقي هو العمل كواجهة شرعية مقبولة دولياً لتسويق "إنجاز سياسي وتنموي أمريكي"، وإظهار غزة كبيئة آخذة في التعافي، ولكن دون تمكينها فعلياً من القيام بدورها في إدارة القطاع وإعادة الإعمار، وقد يتم إعطاؤها بعض الأدوار الإدارية والإغاثية في غزة مستقبلاً.
في المقابل، ستعمل "إسرائيل" على وضع حركة حماس تحت الضغط العسكري والاقتصادي لمنعها من ترميم أي من قدراتها القتالية، ورغم ذلك ستجد حماس نفسها مضطرة للاستمرار في إدارة الشؤون الأمنية والضبطية الداخلية للقطاع؛ لمنع الانزلاق إلى حالة من الفلتان الأمني والاقتتال الداخلي، خاصة بعد إنشاء إسرائيل لميليشيات عميلة تهدد الأمن في غزة.
ثانياً: الوضع الأمني:
المعادلة الأمنية القادمة التي تسعى إسرائيل لترسيخه هي نسخة "مُحدثة ومشددة الجينات" من القرار 1701 في جنوب لبنان، وتضيف عليها:
سياسة "جز العشب" الدائمة: تعمل إسرائيل على عدم السماح للأذرع العسكرية للفصائل بالتقاط الأنفاس أو ترميم منظوماته الاستراتيجية (الصاروخية والتنظيمية)، وذلك من خلال الضغط العسكري والاستهداف الموضعي المستمر.
الحصار الجغرافي و"المعايرة الإنسانية": على عكس العمق البري المفتوح للبنان، تُحوَّل غزة إلى جيب معزول جغرافياً بالكامل، تتحكم فيه فلاتر تقنية واستخباراتية مشددة على المعابر والمنافذ؛ لتطبيق سياسة "المعايرة": تدفق مساعدات وأموال بمقادير محسوبة بدقة تمنع المجاعة والانفجار الشعبي الشامل، لكنها تحظر تماماً دخول مواد التنمية المستدامة، مما يمنع القطاع من التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار بصورة جادة.
الخلاصة
تسعى إسرائيل لإبقاء مستقبل غزة في دائرة مفرغة لا تسمح لها بالتعافي الكامل وإعادة الإعمار، وتحويلها إلى أزمة مزمنة، من خلال أدوات تضمن استمرار الأزمة وإدارتها.
لكن ما تحاول إسرائيل —المدعومة بالهيمنة الأمريكية— تثبيته على الأرض ليس قدراً لا يمكن مواجهته؛ فما دام هناك شعب صامد لا يزال يعيش في غزة ويواجه كل الظروف المستحيلة، رغم ما تعرض له من حرب إبادة بأبشع صورة عرفها التاريخ، فلا بد لهذا المحتل أن يُقهر.