قائمة الموقع

غزة بين الإغاثة والسياسة: تسييس الأزمة الإنسانية في زمن الصراع

2026-04-24T10:26:00+03:00
فلسطين أون لاين

لم تعد الأزمة في قطاع غزة تُختزل في بعدها الإنساني الصرف، بل تحولت إلى نموذج مركّب لتداخل الإغاثة مع الحسابات السياسية، بحيث باتت المساعدات نفسها جزءًا من معادلة الصراع. هذا التداخل لا يقتصر على الفاعلين المحليين، بل يمتد إلى أطراف إقليمية ودولية تستخدم الأدوات الإنسانية بوصفها وسائل تأثير، وأحيانًا أوراق ضغط في مسارات التفاوض.

من الناحية النظرية، تقوم الإغاثة الإنسانية على مبادئ الحياد والاستقلال وعدم التحيز، كما تؤكد عليها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن الواقع في غزة يكشف عن تآكل هذه المبادئ تحت ضغط الضرورات السياسية. فإدخال المساعدات، وتحديد كمياتها، وآليات توزيعها، تخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات أمنية أو تفاوضية، ما يحوّل العمل الإنساني من نشاط مستقل إلى عنصر ضمن هندسة الصراع.

تتجلى إشكالية التسييس بوضوح في ربط المساعدات بملفات أخرى، مثل التهدئة أو تبادل الأسرى أو إعادة الإعمار. هذا الربط يُفضي إلى نتيجة خطيرة مفادها أن الاحتياجات الأساسية للسكان—الغذاء، الدواء، المأوى—تصبح رهينة التوازنات السياسية، بدل أن تكون حقوقًا مكفولة وفق قواعد الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني. وفي هذا السياق، تتقلص المسافة بين “الإغاثة” و“الضغط”، بحيث يصعب الفصل بينهما عمليًا.

من جهة أخرى، تسهم تعددية الفاعلين في تعقيد المشهد. فهناك منظمات دولية، ووكالات أممية، ومنظمات غير حكومية، وسلطة محلية ، لكل منها أولوياتها وأجنداتها. هذه التعددية، رغم أهميتها في سد الفجوات، تفتح المجال أمام التنافس على النفوذ والموارد، ما يؤدي أحيانًا إلى ازدواجية في الجهود أو اختلال في التوزيع. وهنا تظهر مفارقة أساسية: كلما ازدادت المساعدات، ازداد احتمال تسييسها، ما لم تُضبط ضمن إطار مؤسسي صارم.

النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي إعادة تشكيل العلاقة بين السكان والمساعدات. فبدل أن تُسهم الإغاثة في تخفيف المعاناة بصورة مستدامة، تتحول إلى آلية إدارة للأزمة، تُبقيها ضمن مستوى يمكن السيطرة عليه دون حل جذورها. هذا النمط من “إدارة الأزمات” يعزز منطق الاستمرارية، حيث تُصبح الحالة الإنسانية المزمنة جزءًا من توازنات الصراع، لا عبئًا يجب إنهاؤه.

مع ذلك، لا يمكن إغفال أن العمل الإنساني في غزة يواجه قيودًا موضوعية حقيقية، منها القيود الأمنية الاحتلالية وصعوبة الوصول، فضلًا عن محدودية الموارد. غير أن هذه التحديات، على أهميتها، لا تبرر بالكامل درجة التسييس القائمة، بل تطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود الفصل الممكن بين الإنساني والسياسي في بيئات الصراع المعقدة.

في المحصلة، تكشف تجربة غزة أن الإغاثة لم تعد نشاطًا تقنيًا محايدًا، بل أصبحت جزءًا من بنية الصراع ذاته. ومن دون إعادة تأكيد صارمة لمبادئ العمل الإنساني، وتعزيز استقلاليته عن الحسابات السياسية، ستبقى المساعدات أداة مزدوجة بيد الاحتلال الاسرائيلي: تُخفف المعاناة من جهة، وتُعيد إنتاجها بصورة غير مباشرة من جهة أخرى. هذا التناقض يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في قدرته على تقديم الدعم، بل في مدى التزامه بفصل الإنساني عن السياسي في أكثر السياقات تعقيدًا.

اخبار ذات صلة