قائمة الموقع

“رقعة شطرنج” تتحول إلى مرآة لمعاناة الرياضيين في غزة

2026-05-18T12:14:00+03:00
جانب من بطولة الشطرنج
فلسطين أون لاين

في غزة، لم تعد رقعة الشطرنج مجرد مساحة للتحدي الذهني أو اختبار المهارات، بل تحولت إلى مرآة تعكس تفاصيل الحياة القاسية تحت وطأة الحرب الإسرائيلية المستمرة. فخلف كل نقلة حجر، تختبئ حكايات نزوح وفقد وإصابات، ورياضيون حملوا إلى طاولات اللعب أوجاعهم الشخصية وإصرارهم على مواصلة الحياة على الرغم من الخراب.

داخل إحدى بطولات الشطرنج التي أُقيمت في القطاع، بدا المشهد مختلفاً؛ لاعبون يتنافسون بعقولهم، بينما تلاحقهم في الخارج أصوات الطائرات وذكريات القصف وفقدان الأحبة والمنازل.

قصة أويس

وسط هذا الواقع، شارك الطفل أويس الأفغاني (12 عاماً) في البطولة، رغم أن الحرب سلبته ساقه اليسرى. جلس أمام رقعة الشطرنج بهدوء لاعب يعرف جيداً معنى الخسارة، لكنه يرفض الاستسلام لها.

أصيب أويس خلال الأسابيع الأولى للحرب، عندما قصفت قوات الاحتلال العمارة السكنية التي تقطنها عائلته في مدينة حمد بمدينة خانيونس، ما أدى إلى بتر ساقه وبدء رحلة طويلة من العلاج والمعاناة.

ولم يكن أويس وحده ضحية ذلك القصف؛ فقد أُصيب شقيقه أنس أيضاً بعد سقوطه من الطابق الرابع لحظة الاستهداف، ما تسبب له بكسور وجروح خطيرة استدعت بقاءه لفترات طويلة داخل المستشفى، قبل أن يستعيد عافيته بعد عام كامل من العلاج.

ورغم كل ما مرّ به، تمكن أويس من تحقيق مركز متقدم في البطولة، مؤكداً أن الرياضة أصبحت بالنسبة له وسيلة للتمسك بالحياة وتجاوز آثار الحرب النفسية والجسدية.

وقبل الحرب، كان الطفل الغزي يتدرب على الفنون القتالية ويحلم بالمشاركة في البطولات الرياضية، كما عُرف بتفوقه الدراسي، لا سيما في مادة الرياضيات التي حصد فيها أكثر من تكريم مدرسي.

لحظة لا تُنسى


 

وفي زاوية أخرى من البطولة، برزت قصة اللاعب محمود الأضم، أحد أبرز لاعبي الشطرنج المصنفين في غزة، والذي كان يستعد للمنافسة على المراكز الأولى قبل أن تقلب الحرب حياته خلال ساعات.

في الليلة التي سبقت البطولة، كان محمود يتدرب مع أصدقائه حين تلقى اتصالاً عاجلاً يُبلغه بأن منزل عائلته في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة مهدد بالقصف.

عاد مسرعاً ليجد أفراد عائلته وأقاربه يقفون في الشارع، يحيط بهم الخوف والارتباك، دون أن يعرفوا أين يذهبون أو كيف ينجون.

وبعد ساعات قليلة، نفذت قوات الاحتلال تهديدها، وتحولت البنايتان اللتان تضمان ست شقق سكنية إلى ركام كامل، فيما فقدت العائلة كل ما تملكه من أثاث وملابس ومقتنيات في لحظة واحدة.

إرادة وشغف

يقول محمود إن الصدمة النفسية كانت أكبر من قدرته على التفكير بالمنافسة، متسائلاً كيف يمكنه المشاركة في بطولة وهو لا يملك حتى الملابس التي يرتديها.

لكن الخسارة الأقسى، بحسب حديثه، كانت نسيان عينه الصناعية داخل المنزل المدمر.

وكان محمود قد فقد إحدى عينيه عام 2008 إثر إصابة سابقة خلال قصف إسرائيلي، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة مسيرته في لعبة الشطرنج، التي تعلمها منذ طفولته على يد شقيقته الكبرى، قبل أن يصبح واحداً من أبرز لاعبي القطاع.

ورغم الإصابة وفقدان المنزل، يؤكد محمود أنه لن يتخلى عن شغفه باللعبة، وأن مشاركته في البطولات تمثل رسالة تمسك بالحياة وإصراراً على الاستمرار رغم الحرب.

واجب وطني

من جانبه، يرى عضو اتحاد الشطرنج في غزة سمير كنعان أن إعادة النشاط الرياضي خلال الحرب تمثل “واجباً وطنياً”، في ظل الحاجة الملحة لدعم صمود الرياضيين وإحياء قطاع تعرّض لاستهداف واسع طال اللاعبين والمدربين والحكام والمنشآت الرياضية.

ويشير كنعان إلى أن تنظيم البطولات في هذه الظروف لا يهدف فقط إلى الحفاظ على المستوى الفني للاعبين، بل أيضاً إلى إبقاء الحافز قائماً للمشاركة الخارجية وتمثيل فلسطين في المحافل الدولية.

ويضيف لصحيفة "فلسطين” أن الإقبال الكبير على البطولة يعكس حجم تعطش الرياضيين للعودة إلى النشاط بعد شهور طويلة من الانقطاع بسبب الحرب، موضحاً أن كثيرين وجدوا في الرياضة متنفساً نفسياً وفرصة نادرة للقاء والتواصل.

ووفق كنعان، نجح اتحاد الشطرنج في غزة في تنظيم ثلاث بطولات منذ اندلاع الحرب، من بينها بطولة خاصة بالمدارس، وشهدت جميعها مشاركة واسعة وحضوراً لافتاً رغم الظروف الإنسانية الصعبة.

وكان الاتحاد الفلسطيني للشطرنج قد نظم مؤخراً بطولة “مايك مشينيش” السنوية الأولى للشطرنج السريع في مدينة غزة، بمشاركة 82 لاعباً من مختلف الأعمار والمستويات، بينهم لاعبون مصنفون دولياً، وأكثر من 40 مشاركاً يخوضون تجربتهم الأولى في بطولات الاتحاد.

وفي غزة، حيث تتساقط البيوت وتضيق الحياة يوماً بعد آخر، تبدو رقعة الشطرنج مساحة صغيرة للمقاومة؛ يحاول اللاعبون فوقها استعادة شيء من التوازن، والانتصار على واقع يحاصرهم بالحرب والفقد والانتظار

اخبار ذات صلة