في قلب الحرب الممتدة، وبين مراكز الإيواء وأماكن النزوح، لم تكن رغد عدس من حي النصر غربي مدينة غزة تبحث عن مساحة للنجاة الجسدية فقط، بل عن مساحة مختلفة تمامًا؛ مساحة يستطيع فيها الناس أن يلتقطوا أنفاسهم بعيدًا عن ضغط الحرب اليومية.
رغد، الشابة البالغة من العمر 19 عامًا، تدرس العلاقات العامة والإعلان، وتمارس الفن التشكيلي، ولديها خلفية رياضية كلاعبة شطرنج سابقة، إضافة إلى كونها مدربة معتمدة من الاتحاد الفلسطيني.
ومن هذا التداخل بين الفن والرياضة والوعي المجتمعي، انطلقت فكرتها خلال الحرب: تعليم الشطرنج للنازحين.
بدايات الفكرة
تقول رغد لصحيفة "فلسطين” إن المبادرة بدأت داخل مراكز الإيواء، حيث شرعت في تدريب الأطفال والشباب على لعبة الشطرنج، ليس باعتبارها لعبة ترفيهية فقط، بل كأداة للتركيز والانفصال المؤقت عن ضجيج الحرب.
كانت ترى أن اللعبة تمنح المشاركين مساحة ذهنية مختلفة تساعدهم على تفريغ الضغط النفسي، ولو لساعات قليلة.
ومع الوقت، لم تعد المبادرة محصورة في مكان واحد، بل توسعت تدريجيًا لتشمل تدريبات خارجية بالتعاون مع مؤسسات مختلفة، واستقطبت فئات عمرية متعددة من مختلف أنحاء القطاع.
مع اتساع التجربة، بدأت رغد تفكر بشكل أعمق: لماذا لا يتحول هذا الجهد الفردي إلى كيان منظم؟ ومن هنا وُلدت فكرة “نادي الشطرنج”، مساحة تجمع اللاعبين في قطاع غزة، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الخلفية، شرط امتلاك الشغف باللعبة.
وتصف رغد النادي بأنه ليس مجرد مكان للعب، بل “حاضنة” نفسية واجتماعية، تتيح للاعبين تفريغ ما تراكم من ضغط الحرب والظروف القاسية المستمرة.
مجتمع متنامٍ
رغم الإمكانيات المحدودة، استطاعت المبادرة أن تجذب عددًا لافتًا من المشاركين. وتشير رغد إلى وجود مئات الأعضاء ضمن مجموعات التواصل الخاصة بالنادي، بينما يحضر فعليًا ما بين 30 إلى 40 لاعبًا في اللقاءات الأسبوعية.
ولا يملك النادي مقرًا ثابتًا حتى الآن، بل يعتمد على استئجار أماكن مؤقتة أو التعاون مع مؤسسات لاستضافة اللقاءات، مقابل مساهمة رمزية من المشاركين لتغطية تكاليف المكان والمشروبات.
طموح الاستقرار
تحلم رغد بتأسيس مقر دائم للنادي يكون مفتوحًا بشكل منتظم، ويوفر مساحة مستقرة وآمنة لممارسة الشطرنج دون عوائق المكان أو الوقت.
كما تطمح إلى توسيع الفكرة لتصل إلى خارج غزة، وتحويل المبادرة إلى مشروع يحمل صوت اللاعبين والنازحين إلى منصات أوسع دوليًا.
وتشير أيضًا إلى تحدٍ آخر يتمثل في نقص المدربين المتخصصين، ما يحدّ من القدرة على التوسع، لكنها ترى أن هذه العقبات جزء من الطريق وليست نهايته.
تقول رغد إن أصعب ما في التجربة هو البدء في ظل الحرب، حيث تتداخل صعوبات المكان والإمكانات مع الظروف الإنسانية القاسية. ومع ذلك، فإن الدافع الحقيقي للاستمرار هو رؤية اللاعبين وهم يجدون لحظة تركيز وهدوء وسط واقع مثقل بالقلق والخسارة.
بالنسبة لها، لم تعد المبادرة مجرد نشاط تطوعي، بل مساحة إنسانية تعيد تعريف معنى الاستمرار في الحياة، ولو عبر رقعة شطرنج صغيرة داخل مدينة كبيرة من الألم.
بين النزوح والدمار، تواصل رغد عدس بناء مشروعها خطوة بخطوة، محاولة تحويل لعبة ذهنية إلى مساحة نجاة جماعية، وإثبات أنه حتى في أشد الظروف قسوة، يمكن لفكرة صغيرة أن تكبر بما يكفي لتمنح الآخرين سببًا للاستمرار.