بالقرب من تقاطع شارعي العيون والجلاء شمال غربي مدينة غزة، لم يكن مساء أول من أمس، عاديًا لعائلة مقداد، ولا لجيران الحي الذين اعتادوا رؤية البيوت المتصدعة وهي تقاوم الزمن والحرب معًا.
هناك، تحت سقف أنهكه القصف الإسرائيلي مرارًا، انتهت حياة الشاب أحمد عمر مقداد (24 عامًا)، بعدما انهار المنزل المتضرر فوق ساكنيه، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من الضحايا الذين لم تقتلهم الصواريخ مباشرة، بل حصدتهم آثارها المؤجلة.
رحل أحمد، الناجي من مجزرة عائلية وقعت في بدايات حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة عام 2023، ليلتحق بوالده ووالدته وأربعة من أشقائه الذين استشهدوا قبل عامين ونصف، بعدما أمضى تلك السنوات داخل منزل متآكل يحمل في جدرانه ندوب القصف وذاكرة الفقد.
مأساة متجددة
يقول مصطفى مقداد، عم الشهيد أحمد، لصحيفة "فلسطين"، بينما كان يتلقى التعازي قرب ركام المنزل:
"استشهد أحمد مساء الجمعة، قرابة الرابعة عصرًا، إثر انهيار سقف المنزل المتضرر من قصف إسرائيلي سابق. كنا نعلم أن البيت آيل للسقوط، لكن العائلة لم تجد بديلًا آخر للسكن".
ويضيف بصوت مثقل بالحزن: "هرع الأهالي فورًا لإنقاذ من كانوا داخل المنزل، كما وصلت طواقم الدفاع المدني التي أخرجت مصابين وانتشلت أحمد شهيدًا. كان المشهد قاسيًا، وكأن الحرب عادت إلينا من جديد".
ولم يكن المنزل مجرد بناء متصدع، بل شاهدًا على فاجعة متكررة؛ إذ تعرضت العائلة لضربة موجعة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين استهدفت قوات الاحتلال المنزل مع بداية الحرب، ما أدى إلى استشهاد والد أحمد، عمر مقداد، ووالدته، وأشقائه رياض وعز ويحيى، بينما نجا أحمد وشقيقاه بإصابات متفاوتة.
ومنذ ذلك الحين، ظل المنزل قائمًا بالكاد، محاطًا بالخطر والانهيارات الجزئية. ويؤكد العم مصطفى أن البيت تعرض للقصف أكثر من مرة خلال سنوات الحرب، كما تضرر مجددًا خلال موجة النزوح الأخيرة في سبتمبر/أيلول 2025، ما جعله أشبه بهيكل هش ينتظر لحظة الانهيار.
ورغم ذلك، لم تجد العائلة خيارًا سوى العودة إليه بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار، كما فعلت آلاف العائلات التي دفعتها قسوة النزوح إلى الاحتماء بمنازل مدمرة، بعدما تحولت المدارس ومراكز الإيواء إلى أماكن مكتظة، وباتت الخيام الممزقة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحياة.
ويقول العم مصطفى: "في مقبرة الشيخ رضوان، وُوري جثمان أحمد الثرى إلى جوار والده ووالدته وإخوته. بدا التشييع وكأنه استكمال لفاجعة قديمة لم تنتهِ؛ رجال يحملون النعش بصمت ثقيل، ونساء يجهشن بالبكاء، فيما كان الجميع يردد أن الحرب لم تغادر غزة يومًا، حتى مع توقف القصف المباشر".
جرح لا يلتئم
ويضيف: "استشهاد أحمد فتح جرحنا من جديد، وكأننا فقدنا العائلة كلها مرة أخرى. كنا نظن أن من نجا من القصف كُتب له عمر جديد، لكن الحرب لاحقته حتى داخل بيته".
وبالقرب من الركام، جلس أقارب الشهيد فوق حجارة متناثرة كانت يومًا جدران منزل دافئ. وجوههم المتعبة اختصرت حكاية مدينة كاملة تعيش بين أنقاضها، فيما كان أطفال يمرون بحذر قرب المكان، وتتدلى أسلاك وحديد صدئ من الأسقف المنهارة، في مشهد بات مألوفًا في أحياء غزة المدمرة.
ومع استمرار الحرب لعامين متتاليين، تحولت آلاف المباني في القطاع إلى قنابل مؤجلة تهدد حياة سكانها في كل لحظة.
وتتصاعد التحذيرات من خطورة البقاء داخل المنازل المتضررة أو الاقتراب منها، في ظل غياب عمليات الترميم وإزالة الركام، ونقص المعدات الهندسية اللازمة لفحص الأبنية الآيلة للسقوط.
لكن بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، تبدو العودة إلى البيوت المهدمة أقل قسوة من البقاء في خيام مهترئة لا توفر أدنى مقومات الحياة، إذ يحاول الناس داخل الجدران المتشققة استعادة شعور مفقود بالأمان والانتماء، حتى وإن كان الثمن حياتهم.
وخلفت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لعامين، عشرات آلاف الشهداء والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب دمار واسع طال البنية التحتية والمنازل والمرافق المدنية.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا يزال الواقع الإنساني في غزة شديد القسوة، في ظل القيود المفروضة على دخول المساعدات ومواد الإعمار، ما يفاقم معاناة مئات آلاف النازحين والعائدين إلى منازلهم المدمرة.
ففي غزة، لا تنتهي المأساة بانتهاء الغارات، إذ قد يتحول السقف الذي احتمى الناس تحته لسنوات إلى سبب جديد للموت

