فلسطين أون لاين

📌#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة 

من مصعب إلى عز الدين: سيرة الراية الخالدة

 وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 142).ليست الحكايةُ حكايةَ رجلٍ يرحل، ثم يُطوى اسمه في دفاتر النسيان، وليست القضيةُ قضيةَ قائدٍ يسقط فتسقط معه الراية؛ بل هي ملحمةُ أمةٍ كاملة، أمةٍ كلما ظنّ الطغاة أنهم دفنوها تحت الركام، خرجت من بين النار أكثر اشتعالًا، ومن بين الدم أكثر حضورًا، ومن بين الشهداء أكثر خلودًا.

في أُحد… لم تكن الهزيمة في انكشاف الجبل، بل في اللحظة التي تسللت فيها شائعة الموت إلى القلوب:

"قُتل محمد!"

لحظةٌ ارتجفت لها الأرواح، وسكنت لها السيوف، وكادت السماء نفسها أن تنحني من هول الصدمة.

لكن الله لم يترك الأمة للذهول، فجاءت الآية كأنها صاعقة تشقّ ظلام الوهم:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾

فاستفاق التاريخ كله على حقيقةٍ واحدة:

أن الرسالات لا تُدفن في القبور، وأن الحق لا يموت بموت حامليه، وأن الطريق إلى الله لا يتوقف عند جسدٍ مهما عَظُم، بل يمتدّ عبر قوافل لا تنتهي من المؤمنين.

وحين رحل النبي ﷺ فعلًا، وارتجّت المدينة حتى خُيّل للناس أن الجبال فقدت توازنها، وقف أبو بكر وحده كأنما يحمل يقين السماء في قلبه، يتلو الآية ذاتها، ليحوّل الفاجعة إلى ميثاق، والحزن إلى ثبات، والدموع إلى سلاح.

في تلك اللحظة، وُلد المعنى الأعظم:

أن الأمة التي تبني رسالتها على العقيدة لا على الأشخاص، لا يمكن أن تُهزم، مهما نزفت، ومهما فقدت من القادة والرموز.

ومنذ ذلك اليوم، صار الإسلام يُكتب بالرجال الذين يسقطون واقفين.

في أُحد، كان مصعب بن عمير يضمّ اللواء إلى صدره بذراعٍ مقطوعة، كأنه يعلم أن الراية إذا سقطت سقطت معها الأمة.

وكان أنس بن النضر يشقّ الموت مبتسمًا:

"إني لأجد ريح الجنة دون أُحد."

وكان حمزة يضرب كأن في ذراعه قوة أمة كاملة، حتى ارتقى أسدًا، لكنه ترك وراءه ألف أسد.

وفي الخندق، حين تحزّبت الدنيا على المدينة الصغيرة، كان سعد بن معاذ ينزف حكمًا وعدلًا، ثم يمضي إلى الله بعد أن اهتزّ لموته عرش الرحمن.

وفي مؤتة، بلغت الملحمة ذروتها:

زيد يحمل الراية فيسقط،

ثم جعفر فيحملها بذراعين مقطوعتين وجناحين من خلود،

ثم عبد الله بن رواحة يتقدّم وهو يهزم خوفه قبل أن يهزم عدوه.

ثلاثة قادة يرتقون تباعًا، لكن الجيش لا يتراجع، لأن الراية لم تكن قطعة قماش، بل عقيدة تمشي على الأرض.

وهكذا كانت غزة…

ليست مدينةً محاصرة فقط، بل مدرسةً تعيد إنتاج المعنى الأول للإسلام: أن القادة يُستشهدون، لكن الطريق لا ينتهي.

يرتقي رجل، فتولد من دمه راية.

ويغيب قائد، فتخرج من تحت الردم ألف يد تحمل البندقية والفكرة واليقين.

من ياسر النمروطي إلى صلاح شحادة…

ومن محمد الضيف إلى محمد السنوار…

واليوم يرتقي عز الدين الحداد، كما ارتقى من قبله رجالٌ عرفوا أن أعمارهم ليست بعدد السنوات، بل بحجم الأثر الذي يتركونه في روح الأمة.

وفي كل مرحلة من مراحل الدم والنار، كانت غزة تنجب رموزها كما تنجب الأرضُ الزيتون:

في انتفاضة الأقصى، ارتقى أحمد ياسين من الكرسي ليهزّ عروشًا كاملة، ووقف إبراهيم المقادمة وإسماعيل أبو شنب وعبد العزيز الرنتيسي كأنهم أعمدة صخر في وجه العاصفة.

وفي الفرقان، كان نزار ريان وسعيد صيام يكتبان بدمهما معنى الثبات.

وفي حجارة السجيل، كان أحمد الجعبري يرسم معادلات الردع بالنار.

وفي العصف المأكول، ارتفع العطار وأبو شمالة كقناديل حرب.

وفي سيف القدس، كان باسم عيسى وجمال الزبدة ينسجان من الصواريخ لغةً جديدة للمدينة المحاصرة.

وفي الطوفان… انفجرت الملحمة كلها دفعة واحدة:

إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، وكوكبة من الرجال الذين لم يكونوا يبحثون عن حياةٍ طويلة، بل عن موقفٍ يليق بفلسطين.

هكذا تُكتب الأمم الخالدة:

لا بالقصور، ولا بالخطب، ولا بالمؤتمرات الباردة، بل بالرجال الذين يمشون نحو الموت كأنهم يمشون نحو وعدٍ يعرفونه جيدًا.

كل شهيد يسقط يفتح بابًا جديدًا للذين بعده.

وكل دمٍ يُراق يتحول إلى حبرٍ يكتب فصلًا آخر من الحكاية.

أما الطغاة، مهما امتلكوا من نار وحديد، فإنهم يربحون المعارك الصغيرة ويخسرون المعنى الكبير.

لأن الأمة التي تعلّمت من أُحد أن الرسالة لا تموت…

لن تهزمها كل محارق الأرض.

المصدر / فلسطين أون لاين