فلسطين أون لاين

ماذا أصبحت؟

أحيانًا يعود الإنسان إلى داخله عودةً عجيبة، حتى يخفت كلُّ صوتٍ من حوله. تسكت الجموع، وتفقد تفاصيل الحياة اليومية معناها، ويغدو ضجيج الدنيا كأنه همهمة بعيدة. وهناك، يبقى الإنسان وحده أمام نفسه لأول مرة بحق. وفي تلك اللحظة يتردد في أعماقه سؤال؛ ليس كتوبيخٍ قاسٍ، ولا كفضولٍ عابر… بل كنداءٍ خارجٍ من عمق الروح، يمزّق الداخل برفقٍ موجع: “ماذا أصبحت؟” ليس هذا سؤالًا سهلًا. فالإنسان اعتاد أن يسمع ما يقوله الناس عنه، لكنه لم يعتد أن تحاسبه روحه. غير أن الروح تعرف. قد يخدع الإنسان الجميع، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه. مهما بدا قويًّا أمام الآخرين، فإنه يعرف جراحه المخفية، ويعرف أيّ النوايا بقيت ناقصة، وأيّ الأحلام تُركت في منتصف الطريق، وأيّ الدعوات فقدت صدقها، وأيّ السجدات تحولت إلى عادة بلا روح.

كم كنت تحمل من الآمال يومًا… كنت تظن أنك ستصبح عبدًا أنقى، وأنك ستروض نفسك، وتقوّي إرادتك، وتهب حياتك للعلم والخدمة والحقيقة. كنت تتصور أن قلبك سيبقى حيًّا دائمًا، وأن الدنيا لن تستطيع أن تشتتك إلى هذا الحد. كنت تظن أن بصرك لن ينزلق إلى الحرام، وأن لسانك لن يضيع في الكلام الفارغ، وأن روحك لن تصغر وسط الانشغالات الرخيصة. كان لديك تصور جميل عن نفسك. كنت تحمل في داخلك إنسانًا يليق بك… وكنت تظن أنك ستصنعه يومًا.

فماذا حدث؟

مرت السنوات. وانساب العمر بصمت. وتشابهت الأيام حتى ذابت في بعضها. وكل ما أجلته يومًا، تحول مع الوقت إلى جزء من شخصيتك. التنازلات الصغيرة تحولت إلى نقاط ضعف كبيرة. وكل مرة قلت فيها: “لن يضر شيء من هذا”، تركت أثرًا في روحك. وكل تساهل منحته لنفسك، أبعدك عن حقيقتك خطوة أخرى. ولم تخسر نفسك دفعة واحدة؛ فالإنسان لا ينهار في يوم واحد. سقوط الروح يحدث بصمت. لا يراه أحد، ولا يصفق له أحد، ولا ينتبه إليه أحد. أحيانًا يبقى الإنسان في أعين الناس كما هو، بينما يكون قد تغير تمامًا في داخله. ثم يأتي يوم تقف فيه أمام نفسك. لا أمام المرآة فقط، بل أمام قلبك. فتجد مكان الحماسة القديمة تعبًا ثقيلاً. وتدرك أن الحقائق التي كانت تهزّك يومًا لم تعد توقظ فيك ذات الارتعاش. تسجد، لكن قلبك لم يعد يرتجف كما كان. تدعو، لكن الكلمات تتوقف عند الشفاه. تريد أن تفعل خيرًا، لكنك لا تجد القوة التي تحملك إليه. وهناك يعود السؤال بثقل أشد: “ماذا أصبحت؟”

ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان ليس ذنوبه نفسها. فالذنب قد يخفّ وجعه بالتوبة. لكن الذي يسحق القلب حقًا هو ألا يرى الإنسان نفسه التي كان يستطيع أن يكونها. أن يشعر أن الاستعداد الذي وُهب له قد ضاع سدى. لأنك كنت تنتظر من نفسك أكثر من هذا. كنت تظن أن العقل والقلب والقدرات التي منحك الله إياها ستثمر شيئًا أعظم. كنت تريد أن تنفع أكثر، وأن تخفف عن الناس أكثر، وأن تخدم أكثر، وأن تحمل إخلاصًا وثباتًا وتسليمًا أكبر. لكنك حين تنظر الآن إلى الوراء، ترى قصة ناقصة، متعبة، متفرقة. وهنا يخجل الإنسان من نفسه. لا من الناس، بل من نفسه. لأن في داخله ميزانًا خفيًا للحق. وكلما وزن نفسه بذلك الميزان، وجد النقص ظاهرًا. مدح الناس لا يغيّر هذا الميزان. والنجاحات لا تمحو ذلك الفراغ. بل أحيانًا كلما زاد ثناء الناس عليك، اتسعت الهوة داخلك أكثر، لأنك وحدك تعرف كم يبدو الظاهر مكتملًا بينما الباطن ناقص. لكن انتبه هنا إلى حقيقة عظيمة: الخجل من النفس ليس هو اليأس منها.

فالشيطان لا يأتي الإنسان بالمعصية فقط، بل يأتيه أيضًا بالقنوط. بل لعل أخطر ما يفعله بعد الذنب أنه يغرق الإنسان في الظلمة حتى يظن أن لا طريق للعودة. يهمس له: “لقد انتهى أمرك. تأخرت كثيرًا. لن تتغير بعد كل هذه السنوات. الإنسان الذي كنت تريد أن تكونه قد مات.” وهذا كذب. لأن نهاية الإنسان ليست نهاية رحمة الله. قد تتأخر أنت عن نفسك، لكن الله لا يتأخر عن عبده إذا صدق في الرجوع. ما دمت لا تزال تشعر بهذا الألم، فاعلم أن في قلبك شيئًا حيًا لم يمت بعد. فالقلوب الميتة لا تحاسب نفسها، والأرواح القاسية لا تسأل: “ماذا أصبحت؟” أما إذا كنت لا تزال تتألم من نقصك، فهذا يعني أن في داخلك بقية نور تريد النجاة. وربما ليس المطلوب منك الآن قفزات عظيمة. ربما المطلوب أولًا أن تعود صادقًا. أن تعود إلى سجدة لا يراك فيها أحد. إلى دعاء يخرج من القلب لا من العادة. إلى مجاهدة صغيرة لكنها حقيقية. أن تتعلم كيف تقترب من نفسك ومن ربك خطوة خطوة. فالإنسان لا ينهار دفعة واحدة، وكذلك لا يُبنى دفعة واحدة. التحول الحقيقي يحدث بصمت، مثل جذور الشجرة التي تنمو تحت التراب دون أن يراها أحد. فلا تظن أن بقاءك في العتمة يعني أن جذورك ماتت.

وربما يكفي أحيانًا، في ليلة هادئة، بينما الناس نيام، أن تسجد وتقول: يا الله… لم أكن العبد الذي تمنيت أن أكونه. غلبتني نفسي، وأضاعتني غفلتي، وبقيت ناقصًا. لكن ليس لي باب غير بابك، فلا تتركني لنفسي.” أحيانًا يبدأ التغيير كله من هنا… لا من الكلمات الكبيرة، بل من اعترافٍ صادق يخرج من قلبٍ منكسر. لذلك، انظر إلى نفسك بصدق، واسأل دون خوف: ماذا أصبحت؟ ثم أجب بصدق. لكن لا تتوقف عند الجواب. لأن المحاسبة لم تُخلق لتحطم الإنسان، بل لتعيد بناءه. وربما أنت الآن، في المكان الذي ترى فيه خرابك بوضوح، تبدأ للمرة الأولى في أن تُبنى من جديد.

المصدر / فلسطين أون لاين